أقول : وجه التوفيق أن المراد بالأسماء ، أسماء الله الحسنى التي بها خلقت المخلوقات
كما أشير إليها في أدعية أهل البيت - عليهم السلام - بقولهم : " وبالاسم الذي خلقت به
العرش ، وبالاسم الذي خلقت به الكرسي ، وبالاسم الذي خلقت به الأرواح " ( 1 ) ، إلى
غير ذلك . وإنما اختص كل مخلوق باسم ، بسبب غلبة ظهور الصفة التي دل عليها ذلك
الاسم فيه ، كما أشير إليه في الحديث القدسي : " يا آدم هذا محمد وأنا الحميد المحمود في
فعالي ، شققت له اسما من اسمي ، وهذا علي وأنا العلي العظيم ، شققت له اسما من
اسمي " ( 2 ) الحديث . وإنما أضيفت في الحديث تارة إلى المخلوقات كلها ، لأنها كلها
مظاهرها التي فيها ظهرت صفاتها متفرقة ، وأخرى إلى الأولياء والأعداء ، لأنهما
مظاهرها التي فيها ظهرت صفاتها مجتمعة ، أي ظهرت صفات اللطف كلها في الأولياء ،
وصفات القهر كلها في الأعداء . والمراد بتعليمها آدم كلها ، خلقه من أجزاء مختلفة
وقوى متباينة ، حتى استعد لادراك أنواع المدركات ، من المعقولات والمحسوسات
والمتخيلات والموهومات ، وإلهامه معرفة ذوات الأشياء وخواصها وأصول العلم
وقوانين الصناعات وكيفية آلاتها والتمييز بين أولياء الله وأعدائه ، فتأتي له بمعرفة ذلك كله
مظهريته لأسماء الله الحسنى كلها ، وجامعيته جميع كمالات الوجود اللائقة به ، حتى
صار منتخبا لكتاب الله الكبير الذي هو العالم الأكبر ، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام : " وفيك
انطوى العالم الأكبر " ( 3 ) .
( ثم عرضهم على الملائكة ) أي : عرض أشباح المخلوقات جميعا المدلول عليها
بالأسماء كلها . وفي الرواية الأخيرة : " إنه عرض أشباحهم حين كونهم أنوارا في
هامش
1 - البلد الأمين : 411 - 412 ، والبحار 90 : 254 - 255 ، وهو دعاء الأسماء الحسنى .
2 - تفسير الإمام عليه السلام : 220 .
3 - ديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين عليه السلام : 41 . والمصرع الأول : " وتحسب أنك جرم صغير " .