واعلم : أنّ هاهنا نزاعا آخر وهو أنّه : هل يجب من اللّه تعالى بالعلم والإرادة شيء بحيث يمتنع تخلّفه بعد تعلّقهما به عنه تعالى أم لا ؟ « 1 »
فالحكماء والمحقّقون من المتكلّمين كالمصنّف على الأوّل ، لما مرّ من أن الشيء ما لم يجب لم يوجد ، لامتناع التّرجيح بلا مرجح .
والأشعري ومن تبعه في تجويز الترجيح بلا مرجّح على الثّاني ، فعندهم يجوز أن يقع الترك بدلا عن الفعل في وقت عزم فيه على الفعل ويمتنع عند غيرهم ذلك .
والفرق في ذلك بين الحكماء وبين المصنّف وأضرابه هو أنّ عند الحكماء قد تعلّق إرادة الباري تعالى بإيجاد العالم في الأزل ، فوجب وجوده فيه بالإرادة القديمة الّتي هي عين ذاته تعالى فيمتنع وقوع الترك بالنظر إلى ذلك التعلّق وإن جاز مع قطع النظر عنه .
وعند المصنّف وغيره قد تعلّقت الإرادة الذاتيّة والعلم بالأصلح بإيجاد العالم في وقت معيّن ، وبعد تعلقّها فيه يمتنع التخلّف . وهذا أيضا ممّا يؤكد ما ذكرنا من التشنيع على الحكماء ، فتدبّر .
هامش
( 1 ) . لاحظ لمزيد الاطلاع : الهيّات الشّفاء : 1 / 172 - 173 ؛ والتعليقات : 15 - 16 ؛ وشرح المواقف :
8 / 49 - 51 ؛ والمطالب العالية للعلم الإلهي : 3 / 77 - 81 ؛ وشرح الإشارات والتنبيهات : 3 / 132 - 134 ؛ وحاشية الخفريّة على إلهيّات شرح التجريد : 100 - 102 .