فوقع تحته : نعم ولم لا ؟ !
ويحكى أنه كان في جملة القضاة الذين ينادمون الوزير المهلبي ، ويجتمعون عنده في الأسبوع ليلتين على اطراح الحشمة ، والتبسط في القصف والخلاعة . وهم ابن قريعة ، وابن معروف ، والقاضي التنوخي وغيرهم . وما منهم إلا أبيض اللحية طويلها ، وكذلك كان الوزير المهلبي ، فإذا تكامل الأنس وطاب المجلس ولذ السماع وأخذ الطرب منهم مأخذه ، وهبوا ثوب الوقار ، وتقلبوا في أعطاف العيش ، بين الخفة والطيش ، ووضع في يد كل واحد منهم كأس ذهب من ألف مثقال إلى دونها مملوء شرابا قطر بليا أو عكبريا فيغمس لحيته فيه بل ينقعها حتى تتشرب أكثره ، ويرش بها بعضهم على بعض ، ويرقصون أجمعهم ، وعليهم المصبغات ومخانق البرم « 1 » والمنثور ، ويقولون كلما يكثر شربهم هرهر . وإياهم عنى السري بقوله [ من المنسرح ] :
مجالس ترقص القضاة بها * إذا انتشوا في مخانق البرم
وصاحب يخلط المجون لنا * بشيمة حلوة من الشّيم
تخضب بالراح شيبة عبثا * أنامل مثل حمرة العنم « 2 »
حتى تخال العيون شيبته * شيبة فعلان ضرّجت بدم
فإذا أصبحوا عادوا لعادتهم في التزمت والتوفر والتحفظ بأبهة القضاة وحشمة المشايخ الكبراء .
وقد أخرجت من غرر شعر التنوخي ما هو من شرط الكتاب فمن ذلك وصف الليل والنجوم بقوله [ من الخفيف ] :
ربّ ليل قطعته بصدود * وفراق ما كان فيه وداع
هامش
( 1 ) البرم : نوع من الثياب .
( 2 ) العنم : شجرة صغيرة دائمة الخضرة لها ثمر أحمر تتخذ للصباغ .