تخطي إلى المحتوى الرئيسي

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
أغنت المشاهدة عن الاعتذار ، ونابت الخبرة عن الاستخبار ، وجعل يشرب وينخب عليّ من غير إكراه ولا حثّ ولا استبطاء ، إلى أن رأيت الشراب قد دب فيه ، وأكب على مجاذبة غلامه والفطنة تثنية في الوقت بعد الوقت ، فأظهرت السكر وحاولت النوم ، وجاء الغلام ببرذعة ففرشها لي بإزاء برذعته ، فنهضت إليها وقام يتفقد أمري بنفسه ، فقلت له : إن لي مذهبا في تقريب غلامي مني ، واعتمدت بذلك تسهيل ما يختاره من هذه الحال في غلامه ، فتبسم وقال لي بسكره ، جمع اللّه لك شمل المسرة كما جمعه لي بك ، وأظهرت النوم ، وعاد يجاذب غلامه بأعذب لفظ وأحلى معاتبة ، ويخلط ذلك بمواعيد تدل على سعة وانبساط يد ، وغلامه تارة يقبل يده وتارة فمه ، وغلبتني عيناي إلى أن أيقظني هواء السحر ، فانتبهت وهما متعانقان بما كان عليهما من اللباس ، فأردت توديعه وحاذرت إنباهه وإزعاجه ، فخرجت ، ولقيني الخادم يريد إيقاظه وتعريفه انصرافي ، فأقسمت عليه أن لا يفعل ، ووجدت غلامي قد بكر بما أركبه كما كنت أمرته ، فركبت منصرفا وعاملا على العود إليه والتوفر على مواصلته وأخذ الحظ من معاشرته ، ومتوهما أن ما كنت فيه منام لطيبه وقرب أوله من آخره ، واعترضتني أسباب أدت إلى اللحاق بسيف الدولة ، فسرت على أتم حسرة لما فاتني من معاودة لقائه وقلت في ذلك [ من الطويل ] :
ويوم كأنّ الدهر سامحني به * فصار اسمه ما بيننا هبة الدّهر
جرت فيه أفراس الصّبا بارتياحنا * إلى دير مرّان المعظّم والعمر
بحيث هواء الغوطتين معطر ال * نّسيم بأنفاس الرياحين والزهر
فمن روضة بالحسن ترفد روضة * ومن نهر بالفيض يجري إلى نهر
وفي الهيكل المعمور منه افترعتها * وصحبي حلالا بعد توفية المهر « 1 »
ونزّهت عن غير الدنانير قدرها * فما زلت منها أشرب التبر بالتبر
هامش
( 1 ) افترع : افتضّ .