أحضان ذلك الآخر ( الحضارة الغربية ) ، أخطأنا حينما ربطنا بين التحديث وإدارة ظهورنا بالكامل لمنجزات العقل العربي ، وهو ما يسمونه بلغة الحداثيين البراقة :
القطيعة المعرفية مع الماضي ، على أساس أن الحداثة لا تتم إلا بتحقيق القطيعة المعرفية مع التراث » « 1 » .
خلاصة هذه القضية بين النثر والنظم ، أو بين المنثور والمنظوم ، يوضحها الدكتور أبو همام مؤكدا أن « مكانة الشعر بين فنون القول المعاصرة والقديمة هي مكانة الرائد المتقدم ؛ لا تلغيه ولا تسد مسده ، وإن تكاتفت وتزاحمت ، ولا يلغيها وإن انفرد أو استبد ، وهذه بداهة لا يحسن معها اللجج » « 2 » .
يزيد على ذلك أن « شعرنا العربي خاصة بين فنون القول هو وجه العربية الأول حين تزدحم الوجوه في الآداب الأخرى ؛ لأنه فن مساوق للغته ونحيزتها وطبيعتها من حيث هي لغة وزن واشتقاق ، عاش طفولة هذه اللغة وطفولة المتحدثين بها ، نما معها ومعهم ، وحمل جيناتها وجيناتهم ، واستوى على عرشه حين اكتملت فتاءته ، وبلغت أوجها الموسوم « المعرب « عربية أهلها - اسما وصفة - وصار دليلا عليها ، وصارت هي دليلا عليه ، مما تحدر إلينا من أصلاب القرون الأولى كلاما موزونا موقعا ، بريئا من وصمة العجمة ، مباينا للكلام المنثور الذي تأخر ظهوره إلى أن اقتضته حاجة العمران والحضارة » « 3 » .
ويضيف الدكتور أبو همام : « وحين أرادت الفنون القولية الأخرى أن تسامق أفق الشعر اصطنعت طرائقه ، واستعارت منه حرارة الأداء في الخطابة والرسالة والمقامة ، وغدا ترصيع الكلام النثرى بمعادن الشعر ولآلئه يطفر متوثبا من خلال السجع وحسن التقسيم وحرارة المجاز وتكثيف الصورة ، وتوسل هذه الفنون بمثل هذه الاليات الشعرية ؛ إنما هو شهادة للشعر ، وليس حلولا محله » « 4 » .
هامش
( 1 ) المرايا المقعرة / 30 و 31 ، د . عبد العزيز حمودة ، عالم المعرفة - الكويت .
( 2 ) مؤسسة يماني الثقافية الخيرية - جائزة الشاعر محمد حسن فقى - الدورة الرابعة - ندوة الشعر العربي المعاصر والجمهور ، مقال الدكتور عبد اللطيف عبد الحليم بعنوان : الشعر بين فنون القول المعاصرة ص 38 .
( 3 ) السابق الصفحة نفسها .
( 4 ) السابق ص 44 .