وإذا كان ابن قتيبة ( 213 - 276 ه ) يؤكد أنه لم ينظر « إلى المتقدم منهم بعين الجلالة لتقدمه ، وإلى المتأخر منهم بعين الاحتقار لتأخره » ، مشتركا مع الجاحظ « في المذهب التوفيقي الذي يريد أن يجعل الجودة مقياسا للشعر دون اعتبار للقدم والحداثة » « 1 » ، فإنه يأخذ منحى آخر غير الذي سار فيه الجاحظ بالنسبة لقضية اللفظ والمعنى ، مؤثرا مذهبه الاعتدالى في التسوية بينهما ، فالمسألة إذن مسألة صلة بين المعنى واللفظ ، وعلاقة الجودة في كليهما معا هي المفضلة » « 2 » .
ويرى ابن طباطبا ( ت 322 ه ) أن العلاقة بين اللفظ والمعنى ؛ كالعلاقة بين الروح والجسد وهو « تصور يجعل الصلة بين اللفظ والمعنى أوضح مما رسمه ابن قتيبة » « 3 » .
وفي ردة واضحة ؛ يعود أبو هلال العسكري ( ت 395 ه ) إلى الانتصار للفظ على المعنى متابعا « مدرسة الجاحظ التي تتشيع للصياغة ، وتتعصب للفظ ، وربما كان أكثر مغالاة في تقدير قيمة اللفظ ، حيث إنه يجعله في الأثر الأدبي كل شيء ، ويجحد المعنى فلا يجعله شيئا » « 4 » .
ولأن للناس في ما يعشقون مذاهب ؛ فإن « أكثر نقاد القرن الخامس يميلون إلى التوفيق بين اللفظ والمعنى فإنك تجدهم في حيرة شديدة من أمرهم لأنهم لم يهتدوا إلى قاعدة صحيحة تنجيهم من التردد ؛ فالمرتضى يقول : « وحظ اللفظ في الشعر أقوى من حظ المعنى » ، وأخوه الرضى يقول : « إن الألفاظ خدم للمعاني لأنها تعمل في تحسين معارضها وتنميق مطالعها « والمرزوقي ينادى بائتلافهما » « 5 » .
أما ابن رشيق ( 390 - 456 ه ) ، فيذهب مذهب ابن طباطبا العلوي رائيا أن « اللفظ جسم ، وروحه المعنى ، وارتباطه به كارتباط الروح بالجسم ، يضعف
هامش
( 1 ) تاريخ النقد الأدبي عند العرب ، د . إحسان عباس / 95 .
( 2 ) السابق / 96 .
( 3 ) السابق / 128 .
( 4 ) النظرية النقدية عند العرب للدكتورة هند حسين طه / 179 .
( 5 ) تاريخ النقد ، د . إحسان عباس / 362 . وهما الشريف المرتضى والشريف الرضى .