تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نوادر المخطوطات — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
الصناعة الفنية ، ومن جهة المبدأ أقرب إلى الموضوعية العلمية منه إلى الذاتية الشخصية ، على حين نجد كتابة ابن غرسية رسالة شخصية يستعمل فيها كل التعبيرات الفنية من ترادف وطباق ، وتلاعب بالألفاظ ، وتعريض ، وتضمين واقتباس ، ورمز إلى حوادث أدبية وحقائق تاريخية ، مما يطبع الرسالة الفنية بالطابع المطلوب . كما أن نمو وسائل الأسلوب الفنى وتنوعها على الصورة التي يستخدمها كتاب القرن الخامس قد أعارت قلمه أحيانا لون التهكم والفكاهة الذي استغنى عنه جدل الشعوبية بالمشرق . ومما يجدر ذكره أن المشرقيين حين يقولون « العجم » فإنهم يعنون الفرس ، على حين يتسع مدلول هذه الكلمة عند الأسبانيين فيشمل الروم وبنى الأصفر . وقد وازن ابن غرسية بين المميزات الطبيعية والخصال الخلقية بين عنصرى العرب والعجم ففخر ببياض العجم على سمرة العرب . ثم هو يقابل بين حياة العرب القدامى بين الإبل والشاء ، وحياة الأكاسرة والقياصرة في ظلال السيوف والرماح ، ويعقد مقايسة بين هاجر أم العرب ، وسيدتها سارة أم العجم ، ويتكلم في قناعة العرب بالشهوات الدنيا ، كالطبل والزمر ، ومعاقرة الخمر ، ويذكر أن العجم يمتازون في لباسهم وطعامهم وشرابهم ، ثم يفخر بأمجاد العرب السياسية والحربية والعلمية . وأما أن محمدا ( صلى اللّه عليه وسلم ) كان عربيا فلا فخر في ذلك للعرب ، فإن التبر من الترب ، والمسك بعض دم الغزال ، والماء العذب يستودع جلد المزادة البالي . ثم ختم ابن غرسية رسالته بعبارات يستظهر بها التقوى ، توهينا لما قد يشتم من كلامه مما قد يمس العقيدة الدينية ، وهو في ذلك لا ينسى أن يتملق أميره بمدح ، ويخلط باللين عنفا في مخاطبة صديقه . ثم يتحدث جولدتسيهر عن مدى سرعة انتشار شعر أبى العلاء المعرى في الأندلس إذ تمكن ابن غرسية من الاستشهاد به . ويذكر من نماذج تأثير المعرى في الأدب الأندلسي تأليف ابن أبي الخصال رسالة عارض بها « ملقى السبيل » ، ومعارضة رسالة « الصاهل والشاحج » لأحد شعراء الأندلس ، وتأليف ابن السيد البطليوسى شرحا كبيرا لديوان أبى العلاء ولما يكد يمضى نصف قرن على وفاته .