وهي لثغة شنيعة كانت تقع له في حرف الراء فتحرجه في ذلك أيّما إحراج فيتأتى لها بمجانبتها إلى سواها من الحروف ، ويحمل على نفسه في هذا الأمر ويجهدها فيوفّق توفيقا بالغا .
قال أحد معاصريه « 1 » :
ويجعل البر قمحا في تصرّفه * وجانب الراء حتى احتال للشعر « 2 »
ولم يطق مطرا والقول يعجله * فعاذ بالغيث إشفاقا من المطر
قال الجاحظ : وسألت عثمان البرى : كيف كان واصل يصنع في العدد ، وكيف كان يصنع بعشرة وعشرين وأربعين ، وكيف كان يصنع بالمحرم وصفر وربيع الأول وربيع الآخر وجمادى الآخرة ورجب ؟ فقال : ما لي فيه إلا ما قال صفوان :
ملقّن ملهم فيما يحاوله * جمّ خواطره جواب آفاق
الراء من أكثر الحروف دورانا :
وقد لحظ الجاحظ ، وهو صادق فيما فطن له ، أن الراء من أكثر الحروف دورانا في الكلام العربي ، قال « 3 » : أنشدني ديسم قال : أنشدني أبو محمد اليزيدي :
وخلة اللفظ في الياءات إن ذكرت * كخلة اللفظ في اللامات والألف
وخصلة الراء فيها غير خافية * فاعرف مواقعها في القول والصحف
يزعم أن هذه الحروف أكثر تردادا من غيرها ، والحاجة إليها أشد .
ثم قال الجاحظ : « واعتبر ذلك بأن تأخذ عدة رسائل وعدة خطب من جملة خطب الناس ورسائلهم ، فإنك متى حصّلت جميع حروفها وعددت كل شكل على حدة علمت أن هذه الحروف الحاجة إليها أشدّ » .
هامش
( 1 ) البيان 1 : 21 .
( 2 ) من أسماء الشعر مما ليس فيه الراء « السبد » بالتحريك ، و « الهلب » بالضم ، و « اللمة » :
ما زاد على الجمة ، و « الخصلة » بالضم : ما اجتمع من الشعر كذلك . انظر المخصص 1 : 62 - 69 .
( 3 ) البيان 1 : 22 .