وليس غريبا على من نشأ في هذا الجوّ العلميّ أن يكون « 1 » : « صدوقا فاضلا ، ديّنا خيّرا ، من أهل السّنّة » ، وأن يكون « 2 » : « من أعلم الناس بالنّحو والأدب ، وأكثرهم حفظا له » .
ذكاؤه :
ولقد بلغ في الذكاء مبلغا يضرب به المثل ، قال النديم في الفهرست « 3 » :
« كان أفضل من أبيه وأعلم ، في نهاية الذكاء والفطنة ، وجودة القريحة ، وسرعة الحفظ ، وكان مع ذلك ورعا من الصّالحين ، لا تعرف له زلّة ، وكان يضرب به المثل في حضور البديهة وسرعة الجواب » .
حبه للعلم :
وكان محبا للعلم ، قال الخطيب « 4 » : « وحدّثت عنه أنه مضى يوما في النّخاسين ، وجارية تعرض حسنة كاملة الوصف ، قال : فوقعت في قلبي ، ثم مضيت إلى أمير المؤمنين الراضي ، فقال لي : أين كنت إلى السّاعة ؟ فعرّفته فأمر بعض أسبابه فمضى فاشتراها وحملها إلى منزلي ، فجئت فوجدتها ، فعلمت الأمر كيف جرى ، فقلت لها : كوني فوق إلى أن أستبرئك ؛ وكنت أطلب مسألة قد اختلّت عليّ ، فاشتغل قلبي ، فقلت للخادم ، خذها وامض بها إلى النّخاس فليس قدرها أن تشغل قلبي عن علمي . فأخذها الغلام ، فقالت : دعني حتى أكلّمه بحرفين ، فقالت : أنت رجل لك محلّ وعقل ، وإذا أخرجتني ولم تعين لي ذنبي لم آمن أن يظن النّاس فيّ ظنّا قبيحا ، فعرّفنيه قبل أن تخرجني . فقلت لها :
ما لك عندي عيب ، غير أنك شغلتني عن علمي ، فقالت : هذا أسهل عندي .
قال : فبلغ الراضي أمره فقال : لا ينبغي أن يكون العلم في قلب أحد أحلى منه في صدر هذا الرّجل » .
هامش
( 1 ) إنباه الرواة 3 / 201 .
( 2 ) إنباه الرواة 3 / 201 .
( 3 ) الفهرست 82 .
( 4 ) تاريخ بغداد 2 / 184 ، إنباه الرواة 3 / 204 .