العصبية القبلية وما تبعها من صراع بين الكتلتين القويتين العدنانية والقحطانية ، حيث كان النسب وسيلة من وسائل هذا النزاع - كما رأينا - بل يعود أيضا إلى اهتمام الخلفاء والحكام به ، فقد حرصوا عليه حرصا شديدا وهذا ما نلمسهم من تقريبهم للنسابين في مجالسهم ، ومنحهم المنزلة الرفيعة والمكانة المرموقة ويلاحظ ذلك في تقريب معاوية دغفل بن حنظلة الذي ضرب به المثل في معرفة الأنساب فقيل عنه ( أنسب من دغفل ) « 1 » ومن ثقة معاوية به عهد اليه بتعليم ابنه يزيد ففعل « 2 » ، وكذلك استحضر معاوية أيضا عبيد بن شرية الجرهمي من صنعاء ليستمع منه إلى أخبار العرب وأيامها وأنسابها وأمر أن يدون كل ما رواه عبيد في كتاب وينسب اليه « 3 » .
وقرب يزيد بن معاوية أيضا علاقة النسابة وجعله من سماره « 4 » .
بل لقد ظهر في بني أمية أنفسهم علماء بالنسب مثل الوليد بن روح بن الوليد بن عبد الملك وكان أثيرا عند عمر بن عبد العزيز « 5 » .
وهكذا نجد أنه بفعل الظروف وتشجيع الخلفاء واهتمامهم بالنسب كثر عدد النسابين الذين رووا أنساب العرب طوال القرن الأول وأوائل القرن الثاني للهجرة .
وبرزت أسماء أعلام في هذا الميدان مثل الأقرع بن حابس التميمي ، لسان الحمرة ، النسابة البكري ، الشرقي بن القطامي ، حماد الراوية ، عوانة بن الحكم ومحمد بن السائب الكلبي « 6 » . وبرز من هؤلاء النسابين الرواة من تخصص بنسب جماعة من العرب كقوم النسابة ومن يرتبط بهم في الغالب نذكر منهم : أبو الكناس الكندي وكان أعلم الناس بنسب كندة ، النخار بن أوس العدواني وكان أحفظ الناس لنسب معد بن عدنان وهو في رأي ابن الكلبي أعظم علماء العرب في النسب « 7 » ، وعدي بن رثاث الأيادي وكان عالما بنسب أياد ، خراش بن إسماعيل العجلي وكان عالما بنسب ربيعة « 8 » .
هامش
( 1 ) الأمثال للميداني 2 / 273 .
( 2 ) تاريخ التراث العربي فؤاد سزكين المجلد الأول الجزء الثاني ص 40 .
( 3 ) الفهرست ، النديم ص 104 .
( 4 ) معجم الأدباء ياقوت الحموي 12 / 190 .
( 5 ) تاريخ دمشق ، ابن عساكر 17 / الورقة 447 مخطوطة في الظاهرية .
( 6 ) الفهرست ، النديم ص 102 - 107 .
( 7 ) تاريخ التراث العربي فؤاد سزكين مجلد 1 ، جزء 2 ص 36 .
( 8 ) الفهرست ، النديم ص 121 .