وأطيبهم ريحا ، وأكرمهم نفسا ، وأعلاهم حسبا وأعظمهم شرفا ، وطاف بالبيت فلما انتهى إلى الحجر تنحى الناس جميعهم حتى استلم الحجر ، فقال رجل من أهل الشام : من هذا الذي قدها به الناس هذه الهيبة ؟ فقال هشام : لا اعرفه ! مخافة ان يرغب فيه أهل الشام ، وكان الفرزدق حاضرا ، فقال : أنا اعرفه ، فقال الشامي من هو يا ابا فراس ؟ فقال مرتجلا :
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد اللّه كلهم * هذا التقي النقى الطاهر العلم
إذا رأته قريش قال قائلها * إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
ينمى إلى ذروة العز التي قصرت * عن نيلها عرب الاسلام والعجم
يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
في كفه خيزران عرفه عبق * في كف أروع في عرنينه شمم
حييته بسلام وهو مرتفق * وضجة القوم عند الباب تزدحم
يغضى حياء ويغضى من مهابته * فلا يكلم إلا حين يبتسم
ينشق نور الهدى عن نور غرته * كالشمس ينجاب عن إشراقها القتم
منشقة عن رسول اللّه نبعته * طابت عناصره والخيم والشيم
هذا ابن فاطمة ان كنت جاهله * بجده أنبياء اللّه قد ختموا
اللّه شرفه قدما وعظمه * جرى بذاك له في لوحه القلم
فليس قولك من هذا بضائره * العرب تعرف من أنكرت والعجم
كلتا يديه غياث عم نفعهما * يستوكفان ولا يعروهما عدم
سهل الخليقة لا تخشى بوادره * يزينه اثنان حسن الخلق والهمم
حمال أثقال أقوام إذ اقترحوا * حلو الشمائل يخلو عنده نعم
لا يخلف الوعد مأمون عواقبه * رحب الفناء أريب حين يعتزم
عم البرية بالاحسان فانقشعت * عنه الملامة والاملاق والعدم