وكان معه كوز فيه ماء وأخرج سراجا فاصلحه وقدح نارا فاوقدها واخرج خبزا وأخرجت خبزا وتمرا فاجتمعنا على الأكل فما شعرنا إلا والأسد قد دخل المسجد فلما رآه الحمار دخل البيت الذي نحن فيه فدخل الأسد بعده فخرج الحمار وجذب باب البيت بالرسن فاغلق الباب علينا وعلى الأسد وجعلنا في أخبث موضع وقدرنا ان الأسد لا يتعرض لنا ما دام المصباح عندنا لأنه يخاف من النار والسراج والسنور وصوت الديك فما زال يرانا ونراه ولا أحد يتحرك حتى فنى ما في السراج من الزيت وانطفأ وبقينا في الظلمة نحن وإياه وصار أيضا لا يتحرك بل كان كلما تنفس سمعنا نفسه فخفنا منه والحمار من خارج الباب في المسجد وهو يجر غلق الباب بحبله وقد ملأ المسجد روثا وبولا فزعا من الأسد إلى أن مضى الليل ونحن على حالنا وقد كدنا نتلف من الفزع وإذا نحن نسمع صوت الاذان من داخل الحصن وجاء مؤذن المسجد ودخل المسجد فرأى الحمار وفعله في المسجد فشتم ولعن وحل رسن الحمار من الغلق فمر الحمار يطير في الصحراء لعلمه بما خلف الباب ودخل المؤذن البيت لينظر من فيه فوثب الأسد عليه فدقه واحتمله إلى الصحراء فقمنا نحن سالمين ، وانصرفنا والحمد للّه رب العالمين .
ونعود بعون ربي إلى ترجمة المتنبي : ولما ورد أبو الطيب مصر وبها كافور الأخشيدي مدحه بقصيدته اليائية المشهورة التي قيل إنها أفضل ما مدح به اسود وبغيرها كما تضمنه ديوانه ومدح فاتكا الرومي وكان مقطعا بإقليم الفيوم من عمل مصر وهي ارض وبيثة فلم يصح له بها جسم وكان يكره دخول مصر لئلا يرى كافورا سلطانا بها وهو اشرف منه أصلا وأشجع لأنه رومي وشجاعته مشهورة وسبب إفراطه عرف بالمجون فالجأته الضرورة إلى دخول مصر للتداوي فدخلها وكان المتنبي سمع بكرمه ويحب ان يمتدحه ويخاف كافورا لما يعلم من حسده لفاتك وعداوته فلقيه فاتك مصادفة فمال إلى المتنبي ولاطفه ولما عاد إلى داره بعث اليه ألف دينار وفرسا هدية فاستأذن المتنبي كافورا في مدحه فاذن له فمدحه بالقصيدة اللامية المشهورة
نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس — صفحة 514
مساهمون: سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي
ص٥١٤