يعاني ألمها وحده مضافا إلى ما حاطت به من عوامل أخرى من يتم مبكر ، ومحاربة اخوان حسدا ، وأعداء بغضا كل ذلك مما ألهب في نفسه جذوة تستعر ، تركته يفكر في الخلاص من ذلك الأسر الاجتماعي الذي لا يستساغ لأمثاله . وكيف تستساغ حياة الجحيم لانسان أخذ من أطراف العز أعلاها وأغلاها ، فنسب وضاح ومواهب جمة وسن فتية . وقوى متكاملة . كل ذلك مما يأبى له الإقامة بدار تظن عليه بلماظ العيش ، ولعل أصرح شاهد على ذلك قوله :
ولم اغترب إلا لأكتسب الغنى * فاسقي منه كل ذي ظمأ سجلا
ويعلو الغمام الأرض من أجل انه * يسوق إليها وهي لن تبرح الوبلا
إذا ما قضت نفسي من العز حاجة * فلست أبالي الدهر أملي لها أم لا .
فهو مرغم على رحلته التي دامت اثنتي عشرة سنة يسيح في ارض اللّه العريضة طلبا للقوت ونيل النوال ، ويكفينا دليلا علي ذلك قوله :
وكان يعز عليّ سفري من بيت اللّه الحرام ، ومفارقتي لتلك المآثر العظام :
بلاد بها نيطت علي تمائمي * وأول ارض مس جلدي ترابها
لكن لي برسول اللّه ( ص ) أسوة فإنه خرج منها وهي أحب البقاع اليه حين آذاه أهل الشرك والطغيان ، فهاجر منها إلى طيية وأقام بها إلى أن كان من امره ما كان :
وان صريح الحزم والمجد لامرىء * إذا بلغته الشمس ان يتحولا
فاني لحقت فيها وقتا قليل الانصاف ، ينصب السفلة ويخفض الاشراف ، ويرفع فيه الجاهل وينحط العالم ، ويتدنى فيه سهيل وتستعلي النعائم :
هذا الزمان على ما فيه من كدر * حكى انقلاب لياليه باهليه
غدير ماء تراءى في اسافله * خيال قوم تمشوا في نواحيه
فالرجل تنظر مرفوعا أسافلها * والرأس ينظر منكوسا أعاليه
وبليت فيه بأقارب ، هم في الحقيقة كالعقارب ، وأصحاب واخوان ، أشد أذية من الثعبان .