تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نثر الدر في المحاضرات — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
أخذ سليمان بن عبد الملك ابن هبيرة بألف ألف درهم ، فأتى يزيد بن المهلّب فقال : زاد اللّه في توفيقك وسرورك ، أخذت بما لم يسعه مالي ، فقلت : ما لما نزل بي إلّا السيّد الكريم ، مدره العرب ، ووزير الخليفة ، وصابح المشرق . فقام رجل من قوم ابن هبيرة فقال : أيها الأمير ، إنه ما خصّ هذا عمّنا ، وقد أتيناك فيما شكا ، فإن تكفه فليس بأعجب ما فيك ، وإن تدفعه فليس له غيرك . وقام آخر فقال : لو أصبنا أحدا فوقك اخترناه ، أو دونك انحططنا إليه ، وقد أتيناك فيما فدحه فإن تستقلله فقد ترجى لأكثر ، وأن تستكثره فقد تضطلع دونه ، فو اللّه ما الدخان بأدلّ على النار ، والعجاج على الريح ، من ظاهر أمرك على باطنه . وقام آخر فقال : عظم شأنك أن يستعان عليك أو يستعان بك ، ولست تأتي شيئا من المعروف إلّا صغر عنك ، وعظمت عنه ، ولا غاية بلغها أحد من العرب إلا بلغتها ، فحظّك فيها مقدم ، وحقك فيها معظم ، لا نقيسك بأحد من الملوك إلا عظمت عنه ، ونزنك بأحد منهم إلا رجحت به ، واللّه ما العجب أن تفعل ، ولكن العجب ألّا تفعل . فقال يزيد : مرحبا بكم ، وأهلا ، إنّ خير المال ما قضي به الحقّ ، وابتنى به المكرمة ، وإنما لي من مالي ما فضل عن الناس ، وأيم اللّه أن لو أعلم أحدا أهلا لحاجتكم مني أرشدتكم إليه ، فاحتكموا وأكثروا ، فقال ابن هبيرة : النّصف أصلحك اللّه ، فقال : اغد على مالك فاقبضه ، فدعوا له وقاموا فمضوا غير بعيد ، فندموا ، فظن ذلك بهم يزيد ، فقال : ردّهم ، فرجعوا فقالوا : أقلنا أصلحك اللّه ، قال : قد فعلت ، وتحملها كلّها عنه . قال ابن عباس قدم علينا الوليد بن عتبة المدينة واليا كأنّ وجهه ورقة مصحف ، فو اللّه ما ترك فينا عانيا « 1 » إلا فكّه ، ولا غريما إلّا أدّى عنه ، ينظر إلينا بعين أرقّ من الماء ويكلّمنا بكلام أحلى من الجنى ، ولقد شهدت منه مشهدا لو كان من معاوية لذكرته منه أبدا : تغدّينا عنده ، فأقبل الخبّاز بالصحفة ، فعثر بوسادة ، وبدرت الصحفة من يده ، فو اللّه ما ردّها إلا ذقنه ، وصار ما فيها في حجره ، ومثل الغلام وما فيه من الرّوح إلّا ما يقيم رجله ، فقام فدخل فغيّر
هامش
( 1 ) العاني : الأسير .
نثر الدر في المحاضرات — صفحة 96 | خالد عبد الغني محفوظ / أبو سعد منصور بن الحسين الآبي