قال محمد بن المنتشر : فإني لأمرّ يوما في السوق إذا صائح بي : يا محمد .
فالتفتّ فإذا به معروضا على حمار موثوق اليدين والرجلين فخفت الحجاج إن أتيته ، وتذممت منه « 1 » فملت إليه فقال لي : إنك وليت منّي ما ولي هؤلاء ، فرفقت بي فأحسنت إلى وإنهم صنعوا بي ما ترى ، ولم أعطهم شيئا . وهاهنا خمسمائة ألف عند فلان . فخذها ، فهي لك .
قال : فقلت : ما كنت لآخذ منك على معروف أجرا ، ولا لأرزأك على هذه الحال شيئا .
قال : فأما إذا أبيت فاسمع أحدّثك : حدثني بعض أهل دينك عن نبيّك صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال : إذا رضي اللّه عن قوم أمطرهم المطر في وقته ، وجعل الماء في سمحائهم ، واستعمل عليهم خيارهم ، وإذا سخط اللّه على قوم استعمل عليهم شرارهم ، وجعل المال عند بخلائهم ، وأمطر المطر في غير حينه .
قال : فانصرفت ، فما وضعت ثوبي حتّى أتاني رسول الحجاج يأمرني بالمسير إليه . فألفيته جالسا على فرشه ، والسيف منتضى في يده . فقال لي : ادن .
فدنوت شيئا ، ثم قال : ادن . فدنوت شيئا . ثم صاح الثالثة : ادن . لا أبا لك ! ! فقلت : ما بي إلى الدنوّ من حاجة . وفي يد الأمير ما أرى فأضحك اللّه سنه ، وأغمد عني سيفه ، فقال لي : اجلس . ما كان من حديث الخبيث ؟
فقلت له : أيّها الأمير . واللّه ما غششتك منذ استنصحتني ، ولا كذبتك منذ استخبرتني ، ولا خنتك منذ ائتمنتني ، ثم حدّثته الحديث .
فلما صرت إلى ذكر الرجل الذي المال عنده أعرض عنّي بوجهه ، وأومأ إليّ بيده ، وقال : لا تسمّه ، ثم قال : إنّ للخبيث نفسا ، وقد سمع الأحاديث ! !
روي عن عبد الملك بن عمير اللّيثي قال : بينا أنا جالس في المسجد الجامع بالكوفة إذ أتاني آت ، فقال : هذا الحجّاج قد قدم أميرا على العراق ، فإذا به قد دخل المسجد معتما بعمامة قد غطّى بها أكثر وجهه ، متقلّدا سيفا ، متنكّبا قوسا ،
هامش
( 1 ) تذممت منه : استحييت منه .