وظفرت بما يجلو بعضه . ولد ونشأ
بالإسكندرية . وانتقل إلى القاهرة ،
فكان فيها من عشراء الأمراء . وكتب
إلى فقهاء " المدرسة الحافظية " بالإسكندرية ،
ولعله كان من تلاميذها ، يقول ، بعد
أبيات : " كتبت أطال الله بقاء موالي
الفقهاء أنجم المهتدين وصواعق المعتدين ،
من مصر حرسها الله ، وقد خرجت
بظاهرها ليلة الجمعة للنزهة مع الأمراء
أدام الله علي امتداد ظلهم . " وضمن
رسالته هذه قصيدة ، قال فيها :
" أرى الدهر أشجاني ببعد ، وسرني * بقرب ، فأخطأ مرة ، وأصابا "
" فإن أرتشف شهد الدنو فإنني * تجرعت للبين المشتت صابا "
ثم عاد إليها . ولقي فيها أبا الحسن " سعيد
ابن غزال السامري كاتب الضرغام "
وطلب من أبي الحسن شيئا من شعره
وبعض ترسله ليضمنهما كتابا له سماه
" مواطر الخواطر " ويجعلهما " نجمي
حلكه ، في فلكه ، ودري نحره
في بحره " كما جاء في رسالة كتبها
بعد ذلك إليه . وزار صقلية ( سنة
563 ) وكان له فيها أصدقاء ، يكاتبهم
ويكاتبونه ، منهم القائد " غارات بن
جوسن خاصة المملكة الغليلمية " والشيخ
" ابن فاتح " و " السديد الحصري "
وأخصهم القائد أبو القاسم بن الحجر ،
وقد صنف فيه " الزهر الباسم في أوصاف
أبي القاسم " . وكان يكثر النزول
بعيذاب ( من ثغور البحر الأحمر ،
شمالي جدة ) ومنها كتب إلى الوزير
( الإسماعيلي ) الأديب " أبي بكر
العيدي " في عدن ، أنه كان يعد نفسه
بزيارته ، وكانت نفسه تقتضيه الوعد :
" على أني عرضت عليها السير وإزعاجه ،
والقفر ومنهاجه ، والبحر وأمواجه ،
فأبت إلا البدار ، وأنشدت : من عالج
الشوق لم يستبعد الدار . " ويذكر
في الرسالة عمارة اليمني المعروف أو
المتهم بصلته بالإسماعيلية فيقول :
" ما زال يختصر لي قرآن محامد الحضرة
في سورة ، ويجمع لي العالم منها في
صورة ، حتى رأى السفر وآلاته "
إلى أن يقول : " وقد علمت الحضرة
أن السفر إليها ، فليكن السكن والسكون
مضمونا لديها محسنة مجملة إن
شاء الله تعالى " . ودخل عدن ( سنة
565 ) ثم غادرها مبحرا في تجارة .
وارتطمت سفينته بصخرة في جزيرة
" نخرة " بضم النون وسكون الخاء
( وسماها ابن خلكان جزيرة الناموس ؟ )
قرب دهلك ( قال ياقوت : ويقال له
دهيك أيضا ، وهو مرسى في جزيرة بين
بلاد اليمن والحبشة ) فتبدد " ثلثا "
ما معه من فلفل وبقم وسواهما .
وأسعفه سلطان دهلك " مالك بن أبي
السداد " بالطعام والملابس ، له ولرجاله ،
وأنزله عنده . واستكتبه في منتصف
جمادي الآخر ( 566 ) رسالة إلى " السيد
عبد النبي بن مهدي " صاحب زبيد ،
ورسالة أخرى ( غير مؤرخة ) إلى
" القاسم بن الغانم بن وهاس الحسني
صاحب بلاد عثر ، بين الحجاز واليمن "
وكتب هو ، في غرة رجب 566 إلى
" أبي بكر العيدي " الوزير بعدن ،
اثنتي عشرة صفحة صغيرة ، هذه فقرات
منها : " . . من جانب الصخرة ،
بنخرة . . وشوقي يكاثر الفلفل المبدد
في السواحل ، والبقم المفرق في المراحل . .
ما زالت تترامى بنا الأفواج والأمواج ،
حتى استأثرت . بأموالنا وآمالنا . نعم ،
قد سلم الثلث ، والثلث كثير ،
وحصلنا بجزيرة دهلك ، والسلطان المالك
ابن أبي السداد . . ساعدني بالبز والبر . .
ووثقت منه بوعد في خروجي هذه السنة
عند عود رسوله من بر العرب " ثم
يحدثه ببعض الاخبار : " ووردت كتب
مضمنة جملة من الاخبار المصرية ،
منها أن السلطان الاجل صلاح الدين .
غزا غزة من بلاد الفرنج خذلهم الله ،
وكسر ، وأسر ، وعاد غانما والحمد
لله ، ورفع المكوس ، وجعل دار
الشحنة بمصر مدرسة للعلم " . ثم
يخبره بنجاة أشياء ( لعلها هدايا ) كان
قد سلمها إليه ، ويذكر بعضها ويقول :
" وحصر ذلك يستدعي زمانا ، وبيانا ،
وبنانا ، ولسانا ، وجنانا ، وإمكانا ،
وهذيانا ! فالعذر في تركه واضح "
ويقول : " كانت معي كتب كتب
البحر عليها المحو ، فلا شعر ولا لغة
ولا نحو ! لم يسلم سوى ديوان شعر
ابن الهبارية ، بعد أخذه من البلل .
ضاع شعري كله ، وانحط عن متن
نظري فيه كله ( أي ثقله ) فقد كنت
لا أخلو من إصلاح فاسد ، ومداراة
حاسد " ويخبره بأنه بدأ بنظم قصيدة
فيه ، مطلعها :
" وشى بسرك عرف الريح حين سرى "
وأنه نظم قصيدة في " السلطان المالك "
أولها :
" قفا فاسألا مني جفونا وأضلعا "
وكتب إليه في رسالة أخرى ، يشكو
طول الإقامة بدهلك ، ويقول : " ولولا
أن يعثر القلم لجرى وجر ، وسرى
وما سر ، فقد امتلأت المسامع بسوف ،
وعلمت المطامع أنها بوادي عوف !
وكنت أمنع بيع الشعر في زمن أقل
ما يتشارى فيه بالذهب ، فصرت أصرفه
بالبخس . نعم نزلت على أم العنبر ،
فلعنت البحر مع البر " ثم يقول :
" تسلفت من التجار بزا . واشتريت
به من العبيد ، وعولت على قطع البيد ،
إلى زبيد . وأدخل من هناك إلى عدن "
وقد فعل . وهذه قصة غرقه ، كتبها
بقلمه ، وانتفى بها زعم المؤرخين جميعا
بأنه " غرق جميع ما كان معه وعاد
إلى أبي الفرج - ياسر بن بلال المحمدي -
وهو عريان ! " ومع ما يلاحظ من ضيق
صدره في دهلك ( وقد هجاها وصاحبها
مالكا ، ببيتين ذكرهما ياقوت ) فإنه
كان على اتصال بالسلطان ، في مصر .
وهذه فقرات من " كتاب سلطاني "
الأعلام — صفحة 25
مساهمون: خير الدين الزركلي
ص٢٥