مسلمة « 1 »
قال : عجبت لمن أخفى شعره ثم أعفاه ، وقصّر شاربه ثم أطاله ، أو كان صاحب سراريّ « 2 » ؛ فاتخذ المهيرات « 3 » .
وقال : لا أزال في فسحة من أمر الرجل حتى أصطنع عنده يدا ؛ فإذا اصطنعتها لم يكن إلا ربّها .
ولما حضرته الوفاة أوصى بثلث ماله لأهل الأدب ، وقال : صناعة مجفوّ أهلها .
وكان إذا كثر عليه أصحاب الحوائج وخشي الضجر أمر أن يحضر ندماؤه من أهل الأدب ؛ فيتذاكرون مكارم الناس وجميل طرائقهم ومروءاتهم فيطرب ، ويهيج ، ثم يقول : ائذنوا لأصحاب الحاجة ؛ فلا يدخل أحد إلا قضى حاجته .
وقال له هشام : يا أبا سعيد ؛ هل دخلك ذعر قطّ لحرب شهدتها أو لعدوّ ؟ قال : ما سلمت في ذلك من ذعر ينبّه عليّ حيلة ، ولم يغشني فيها ذعر يسلبني رأيي . قال هشام : هذه البسالة .
ودخل على عمر بن عبد العزيز في مرضه الذي مات فيه ؛ فقال : ألا توصي يا أمير المؤمنين ؟ قال : بم أوصي ؟ فو اللّه إن لي من مال . فقال : هذه مائة ألف ، مر فيها بما أحببت . قال : أو تقبل ؟ قال : نعم . قال : تردّها على من أخذتها منه ظلما . فبكى مسلمة ثم قال : يرحمك اللّه ، لقد ألنت منّا قلوبا قاسية ، وأبقيت لنا في الصالحين ذكرا .
واستبطأ عبد الملك ابنة مسلمة في مسيره إلى الروم ؛ فكتب إليه « 4 » :
[ الكامل ]
لمن الظّعائن سيرهنّ تزحّف ؟ * سير السفين إذا تقاعس يجدف
هامش
( 1 ) هو مسلمة بن عبد الملك بن مروان بن الحكم ، من أبطال عصره ، من بني أمية ، وله فتوحات شهيرة ، توفي بالشام سنة 120 ه ( انظر : الأعلام 7 / 224 ، البداية والنهاية 9 / 341 ، وفي البداية والنهاية أنه توفي سنة 121 ه ) .
( 2 ) السراري : جمع سرية ، وهي الأمة .
( 3 ) المهيرات : ذوات المهر .
( 4 ) البيت لأعشى همدان في أساس البلاغة ( جدف ) ، وبلا نسبة في تاج العروس ( زحف ) .