إن اللّه جعل لعباده عقولا عاقبهم بها على معصيته ، وأثابهم على طاعته ؛ فالناس بين محسن بنعمة اللّه عليه ، ومسيء بخذلان اللّه إياه ، وللّه النعمة على المحسن والحجة على المسئ ، فما أولى بمن تمّت عليه النعمة في نفسه ، ورأى العبرة في غيره ، بأن يضع الدنيا حيث وضعها اللّه ، فيعطي ما عليه منها ولا يكترث بما ليس له فيها ، فإنّ الدنيا دار فناء ولا سبيل إلى بقائها . ولا بد من لقاء اللّه ، فأحذّركم اللّه الذي حذّركم نفسه ، وأوصيكم بتعجيل ما أخّرته العجزة قبل أن تصيروا إلى الدار التي صاروا إليها ، فلا تقدرون فيها على توبة .
وليست لكم منها أوبة ، وأنا أستخلف اللّه عليكم ، وأستخلفه منكم .
وأذن يوما لخاصّته ، فأخذوا مجالسهم ، وأقبل رجل منهم على عيب مصعب بعد قتله ؛ فنظر إليه عبد الملك نظر كراهية ، لما قال ، ثم قال : أمسك .
أما علمت أنّ من صغر مقتولا فقد أزرى بقاتله .
ولما قتل عمرو بن سعيد أذن للناس إذنا عاما ؛ فدخلوا عليه وجثّة عمرو في ناحية البيت - فلما أخذوا مجالسهم تكلم عبد الملك فقال : ارموا بأبصاركم نحو مصارع أهل المعصية . واجعلوا سلفهم لمن غبر منكم عظة ، ولا تكونوا أغفالا من حسن الاعتبار ، فتنزل بكم جائحة السطوة ، وتجوس خلالكم بوادر النقمة ، وتطأ رقابكم بثقلها المعصية ، فتجعلكم همدا رفاتا ، وتشتمل عليكم بطون الأرض أمواتا .
وإياي من قول قائل ، وسفه جاهل ، فإنما بيني وبينكم أن أسمع النّعرة ، فأصمّم تصميم الحسام المطرور ، وأصول صيال الحنق الموتور ، إنما هي المصافحة والمكافحة بظبات السيوف ، وأسنّة الرماح ، فتاب تائب ، أو هلك خائب ، والتوب مقبول ، والإحسان مبذول لمن أبصر حظّه ، وعرف رشده .
فانظروا لأنفسكم ، وأقبلوا على حظوظكم ، وليكن أهل الطاعة منكم يدا على ذوي الجهل من سفهائكم ، واستديموا النعمة التي ابتدأتكم برغد عيشها ،
هامش
رسائل وخطب كثيرة ومصنّفات ، منها : « تفسير القرآن عن حسن البصري » ، « خطب ورسائل » ، « ديوان شعره » ( انظر : كشف الظنون 5 / 802 ، الأعلام 5 / 81 ، وفيات الأعيان 1 / 384 ، البداية والنهاية 10 / 78 ، ميزان الاعتدال 2 / 294 ، طبقات المعتزلة ص 35 ، مفتاح السعادة 2 / 35 ) .