واعلم أنّ الجاهل لا يعلم ، والحديد لا يفهم ، والطائش القلق لا يعقل ، والطّمع الشّره لا ينفع عند الحجة ، ولا تغني قبله البيّنة . والسلام .
قالوا : أشرف يوما على أصحابه ، وهم يذكرون سيرة عمر - رضي اللّه عنه - فغاظه ذلك ؛ فقال : إيها عن ذكر عمر ، فإنه إزراء بالولاة مفسدة للرعية .
وكان إذا أراد أن يولي رجلا عمل البريد سأل عن صدقه ونزاهته وأناته ؛ ويقول : كذبه يشكّك في صدقه ، وشرهه يدعوه في الحق إلى كتمانه ؛ وعجلته تهجم بمن فوقه على ما يؤثمه ويندمه .
وقيل له : ما المروءة ؟ قال : موالاة الأكفاء ، ومداجاة الأعداء .
قال له رجل : إني أريد أن أسرّ إليك شيئا ، فقال عبد الملك لأصحابه :
إذا شئتم . . . فنهضوا ، فأراد الرجل الكلام ، فقال له عبد الملك : قف ، لا تمدحني ، فإني أعلم بنفسي منك ، ولا تكذبني ؛ فإنه لا رأي للكذوب ولا تغتب عندي أحدا . فقال : أفتأذن يا أمير المؤمنين في الانصراف ؟ قال : إذا شئت .
وقال له رجل من أهل الكتابة كان موصوفا بقراءة الكتب وهو بالمدينة :
إن بشّرتك بشارة تسرّك ما تجعل لي ؟ قال : وما مقدارها في السرور حتى نعلم مقدارها من الجعل ؟ قال : إن تملك الأرض . قال : ما لي من مال ، ولكن أرأيت إن تكلفت لك جعلا أتأتيني بذلك قبل وقته ؟ قال : لا ، قال : فإن حرمتك أتؤخّره عن وقته ؟ قال : لا . قال : حسبك ما سمعت .
وكتب إلى الحجاج : إنّي قد استعملتك على العراقين « 1 » صدمة « 2 » ، فأخرج إليهما كميش الإزار شديد العذار منطوي الخصيلة قليل الثّميلة ، غرار النوم ، طويل اليوم . فاضغط الكوفة ضغطة تحبق منها البصرة ، وارم بنفسك الغرض الأقصى ، فإنّي قد رميته بك ، وأرد ما أردته منك . والسلام .
ولما ولي عبد الملك صعد المنبر ، فقال بعد الحمد للّه والثناء عليه والصلاة على النبيّ - صلى اللّه عليه وسلّم - : إن اللّه اختصّنا بالكرامة ، وانتجبنا للولاية وآثرنا
هامش
( 1 ) العراقان : هما البصرة والكوفة .
( 2 ) صدمة : أي دفعة واحدة .