وقال له عبيد اللّه بن يحيى بن سليمان : اعذرني ، فإني مشغول . فقال :
إذا فرغت لم أحتج إليك .
وسلّم نجاح بن سلمة إلى موسى بن عبد الملك ليستأديه مالا ، فتلف في المطالبة ؛ فلقي بعض الرؤساء أبا العيناء ، وقال له : ما عندك من خبر نجاح ؟
قال :
فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ
[ القصص : الآية 15 ] ؛ فبلغت كلمته موسى بن عبد الملك ؛ فلقيه فقال : أبي تولع ؟ واللّه لأقوّمنّك . فقال :
أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ
[ القصص : الآية 19 ] .
وقال يوما لابن مكرّم : ألست عفيفا ؟ قال : بلى ، ولكنّك عفيف الفرج زاني الحرم . فقال : إنما ذاك منذ تزوجت بأمك . وغداه ابن مكرّم ؛ فقدم إليه عراقا ، فلما جسّه قال : قدركم هذه طبخت بالشّطرنج .
وقدّم إليه يوما قدرا فوجدها كثيرة العظام ؛ فقال : هذه قدر أم قبر ؟ .
وأخبر أنّ ابنه أعتق عبده ؛ فقال : إن جاز له هذا فليطلق على أمه الزانية .
وقال له رجل من بني هاشم : بلغني أنك بغّاء . قال : ولم أنكرت ذاك مع قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « مولى القوم منهم » ؟ . قال : إنك دعيّ فينا . قال : بغائي صحّح نسبي فيكم .
وسأل الجاحظ كتابا إلى محمد بن عبد الملك في شفاعة لصاحب له ؛ فكتب الكتاب ، وناوله الرجل ، فعاد به إلى أبي العيناء ، وقال : قد أسعف .
قال : فهل قرأته ؟ قال : لا ؛ لأنه مختوم . قال : ويحك ، فضّ طينة أولى من حمل ظنّة ، لا يكون صحيفة المتلمّس ؛ ففضّ الكتاب ؛ فإذا فيه : موصل كتابي سألني فيه أبو العيناء ، وقد عرفت سفهه وبذاء لسانه ، وما أراه لمعروفك أهلا ، فإن أحسنت إليه فلا تحسبه عليّ يدا ، وإن لم تحسن لم أعتده عليك ذنبا والسلام .
فركب أبو العيناء إلى الجاحظ . وقال له : قد قرأت الكتاب يا أبا عثمان ، فخجل الجاحظ ، وقال : يا أبا العيناء ، هذه علامتي فيمن أعتني به . قال : فإذا بلغك أنّ صاحبي قد شتمك فاعلم أنه علامته فيمن شكر معروفه .