الباب الخامس كلام عمر بن عبد العزيز « 1 »
كتب إليه أبو بكر بن حزم - وهو والي المدينة من جهته - : إن رأى الأمير أن يقطع لي من الشمع والقراطيس ما كان يقطع لعمال المدينة ؛ فكتب إليه :
جاءني كتابك وإنّ عهدي بك تخرج من بيتك في الليلة الظلماء بغير سراج .
وأما القراطيس فأذقّ القلم ، وأوجز الإملاء ، واجمع الحوائج في صحيفة .
وذكر له سليمان بن عبد الملك يزيد بن أبي مسلم بالعفة عن الدّرهم والدينار ، وهمّ بأن يستكفيه مهمّا من أمره . فقال له عمر : أفلا أدلّك على من هو أزهد في الدرهم والدينار منه وهو شرّ الخلق ؟ قال : بلى . قال : إبليس لعنه اللّه .
وكان يقول : أيها الناس إنما خلقتم للأبد ، وإنّما تنقلون من دار إلى دار .
وخطب فقال : أيها الناس ، إنكم لم تخلقوا عبثا ، ولن تتركوا سدى ، وإن لكم معادا ينزل اللّه للحكم فيكم ، والفصل بينكم ، فخاب وخسر من خرج من رحمة اللّه الّتي وسعت كلّ شيء ، وحرم الجنة التي عرضها السماوات والأرض .
واعلموا أن الأمان غدا لمن خاف ، وباع قليلا بكثير ، وفانيا بباق ؛ ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين ؟ وسيخلفها من بعدكم الباقون ، حتى تردّوا إلى خير الوارثين .
هامش
( 1 ) هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي القرشي ، أبو حفص ، الخليفة الصالح ، والملك العادل ، قيل له : خامس الخلفاء الراشدين ، وهو الذي منع سب الإمام علي على المنابر ، توفي سنة 101 ه ( انظر : الأعلام 5 / 50 ، كتاب الثقات 5 / 151 ، الطبقات الكبرى 5 / 253 ، البداية والنهاية 9 / 205 - 231 ) .