قيل : أهدى رجل إلى عمر - رضي اللّه عنه - جزورا « 1 » ، ثم خاصم إليه بعد ذلك في خصومة ، فجعل يقول : افصلها يا أمير المؤمنين كفصل رجل الجزور ، فاغتاظ عمر رضي اللّه عنه ، وقال : يا معشر المسلمين ؛ إياكم والهدايا فإن هذا أهدى إليّ منذ أيام رجل جزور ، فو اللّه ما زال يردّدها حتى خفت أن أحكم بخلاف الحكم .
ولما حصر أبو عبيدة كتب إليه عمر رضي اللّه عنه : مهما ينزل بامرئ من شدة يجعل اللّه بعدها فرجا ، إنه لن يغلب عسر يسرين ، إنه يقول :
اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
[ آل عمران : الآية 200 ] .
وقال : ثلاث يثبّتن لك الودّ في صدر أخيك : أن تبدأه بالسلام ، وتوسّع له في المجلس ، وتدعوه بأحبّ الأسماء إليه .
وقال رضي اللّه عنه : من أفضل ما أعطيته العرب الأبيات يقدّمها الرجل أمام حاجته ، يستعطف بها الكريم ، ويستنزل بها اللئيم .
وقدم معاوية عليه وهو أبضّ الناس ، فضرب عمر - رضي اللّه عنه - بيده على عضده ، فأقلع عن مثل الشّراب في لونه أو مثل الشّراك . فقال :
إنّ هذا واللّه لتشاغلك بالحمامات ، وذوو الحاجات تقطّع أنفسهم حسرات على بابك .
وقال لربيع بن زياد الحارثي : يا ربيع ؛ إنا لو نشاء ملأنا هذه الرّحاب من صلائق « 2 » وسبائك « 3 » وصناب « 4 » ولكني رأيت اللّه عزّ وجلّ نعى على قوم شهواتهم ، فقال :
أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا
[ الأحقاف : الآية 20 ] .
وقال : علموا أولادكم العوم والرّماية ، ومروهم فليثبوا على الخيل وثبا ، وروّوهم ما جمل من الشعر ، وخير خلق المرأة المغزل .
وقال : لو كان الصبر والشكر بعيرين ما باليت أيهما أركب .
هامش
( 1 ) الجزور : الشاة المذبوحة .
( 2 ) الصليقة ، كسفينة : اللحم المشوي المنضج ، جمعه : صلائق .
( 3 ) السبائك : ما سبك من الدقيق فأخذ خالصه .
( 4 ) الصناب : صباغ يتخذ من الخردل والزبيب .