حيث لم يعقه الدهر بالصعود إلى تلك الربوة ، ولا ناله الكسر إلّا لتألمه بالانقطاع عن الوصول إلى شقوق أنهارها ، ولا أظنه أجمر خجلا إلّا بصفاء أنهارها ، فلو رأى العاشق جبهتيها لسلمى بمصر معشوقه ، ونسي ظهور جوانبه المنحنية بقامات غصونها الممشوقة ، فحق لمصر لا تجرى حديث المفاخرة في وجهها ، وأن يبقى أثر المنازعة قبل أن تصاب من هذه البلدة بسهمها ، ولطال ما انتهرت لجنكها « 1 » الباطن على السماع ، وترى كل نهر أذاب عقد الجليد مما انعقد على حلاوة يكن الإجماع .
وما أحسن قول القيراطى « 2 » :
ما فيه إلّا جوسق أو روضة * أو جدول أو ربرب
وإذ إنكسر ماؤه أبصرته * في الحال بين رياضه يتشعب
وشذت على العيدان ورق أطربت * بغنائها ما غاب عنه المطرب
فالورق تشذو والنسيم مشبب * والنهر يسقى والحدائق تشرب
وضياعها ضاع النسيم بها فكم * أضحى له من بيننا متطلب
ولكم طربت على السماء لجنكها * وغدا بربوتها اللسان يشبب
ولبعضهم :
نزه الطرف في دمشق ففيها * كل ما تشتهى وما تختار
هي في الأرض جنة فتأمل * كيف تجرى من تحتها الأنهار
وللحافظ أحمد المقرئ المؤرخ المحدث « 3 » :
الشام جنّة لا تقاس بحد * كأنها معجزة مقرونة بالتحدى
هامش
( 1 ) الجنك : آلة طرب فارسية . انظر : القاموس المحيط ، مادة [ جنك ] .
( 2 ) القيراطى ، هو إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن عسكر بن مظفر بن نجم بن شادى بن هلال ، برهان الدين ، أبو إسحاق ، من الشعراء الأدباء ، من مصنفاته : ديوان شعر ، اسمه :
مطلع النيرين ، أدب الوشاح ، توفى سنة ( 781 ه ) . انظر : الدرر الكامنة ( 1 / 31 ) ، شذرات الذهب ( 6 / 269 ) .
( 3 ) أحمد المقرئ ، هو : ابن إسماعيل بن عبد الله بن محمد بن حامد البغدادي ، شمس الدين ، فقيه ، شاعر ، عالم بالعربية ، له كتاب في التاريخ ، عاش في القرن الثامن الهجري .
انظر ترجمته : الدرر الكامنة ( 1 / 106 ) . معجم المؤلفين ( 1 / 104 ) .