الأيام عبرة ، وكيف تنقلب فرحة الوصال بالفراق ترحة . . . وأغرى بي الشوق فلزمنى وفلزمته ، وألّف بيني وبين الوجد فألفنى وألفته ، فلا أسلك للعزاء طريقا إلا وجدته مسدودا ولا أقصد للصبر بابا إلا ألفيته مردودا ، ولا أعدّ اليوم بعد فراقه إلا شهرا ، والشهر دون لقائه إلا دهرا » « 1 » .
وفي عباراته - وهو قاض فقيه - آراء عامة عن الحياة والناس ، لو انتزعت من أماكنها لخلص منها بعض النظرات الحكيمة المجرّدة ، مثل قوله في صفة الحاكم وما ينبغي له من قدرة على تصريف الأمور : « الحاكم يزين الأعمال ولا تزينه ، ويحسّن الرتب إذا ترقّى إليها ولا تحسّنه » « 2 » .
وقوله عن تفاوت مراتب الشكر بتفاوت الأقدار : « للصنائع منازل تختلف ، وللعوارف مراتب لا تأتلف ، فمنها ما يقضى الشكر حقّه يدا بيد ، ويصادفه نقدا بنقد ، ومنها ما يكون كثير الشكر في جنبه قليلا ، وينثني لسان النشر عنه كليلا » « 3 » ، وقوله في مجال الحديث عن الصداقة الحقّة :
« والودّ الخالص إذا شابه التكلف شانه ، والعهد الصحيح إذا مازجه التصنع صغّر شانه » « 4 » .
ومنصور الهروي كاتب محسن مجيد ذو مكوّنات ثقافية متعدّدة تمدّه بالغزير الوفير ، فيظهر أثرها في كتاباته ولا تقتصر هذه المكونات على ما يثقفه من العلوم الدينية ، ولكنها تمتدّ لتشمل الموروث كله : شعره ونثره وأمثاله وأخباره وحكاياته وخرافاته . . . وغنى عن البيان أنه في رسائله يستمد من القرآن الكريم فيستشهد بآياته أو يقتبس منها ، كقوله في وصف ما حاق بالأعداء : « وقضى على جدودهم بالسقوط ، وعلى دولتهم بالهبوط ، وعلى ذكرهم بالخمول ، وعلى نجمهم بالأفول ، وأبان لهم أن اللّه - عزّ اسمه - محيط بالظالمين ، مرصد مكره للخائبين ، إن اللّه لا يهدى كيد الخائنين ، ولا يصلح عمل المفسدين ، ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين ، فقطع دابر القوم الذين ظلموا ، والحمد للّه رب العالمين » « 5 » .
وقد درج الكتاب على أن يمزجوا رسائلهم الإخوانية بأشعار يؤلفونها أو يقتبسونها ، وكان الهروي ، وهو شاعر ، يجيد هذا الجانب من جوانب الأخذ من التراث الشعرى لخدمة ما يريده من المعاني ، فاكتظّت أكثر أبواب « منية الراضي . . . » باستشهادات من هذا التراث ، وأكثرت من
هامش
( 1 ) انظر ما يلي : ص 91 - 92 .
( 2 ) نفسه : ص 61 .
( 3 ) نفسه : ص 66 .
( 4 ) نفسه : ص 98 .
( 5 ) نفسه ص 50 .