متحدثا عن المشفوع له « ومساق هذه المقدّمة إلى ذكر فلان ، وهو . . . » .
وتوالت فصول العناية والشفاعة فتحدّثت أحيانا عن الشيخ الذي يؤمل عنده الخير وأحيانا أخرى عن « فلان » طالب الحاجة ، وربما تحدثت بلسان حال الهروي الشافع « 1 » .
4 - والباب الرابع في الشوق والحنين
« 2 » ، كالباب السابق ، فصول مضمومة منتزعة من بضع رسائل ، منها ما كان ابتداء ، ومنها ما كان جوابا ، ولذلك تكررت المعاني ، وتشابهت بعض العبارات .
وقد عبّرت هذه الرسائل عن الوحشة لفراق الصديق والأمل في تجدّد اللقاء والحنين لما مضى من أيام ما زالت ذكرياتها باقية لا تنسى تدل على تمازج الأرواح وائتلاف القلوب ، واستغرق الحديث عن آلام الوحشة النصيب الأكبر من الاهتمام ، وحشد الهروي لذلك صورا متلاحقة لما لقيه من جناية الأيام عليه وما ابتلى به من الفراق الموجع ، وقد ورد في هذا الباب أيضا عدة فصول يبدو أنها مطالع رسائل ، عبّر في كل منها عن المعاني نفسها .
ولم تكن رسائل التشوّق قاصرة على ذكر ما يخلفه الفراق من أسى وحزن ، بل تضمنت أيضا التحسر على الأيام السالفة ، والأمل في لقاء جديد يعيد ما سلف من أوقات السعادة والحبور .
ومع ما في هذه المعاني من مبالغات في وصف الأشواق وشدتها ، لم تخل من معان دقيقة وصور موحية تبعث على التأمل ، لعل منها قوله : « لعمري إن الشوق ليقرّب البعيد ، ويبعّد القريب ، ويحضر الغائب ، ويغيب الحاضر ، ولكنه نوع خديعة ، يسفر عن سراب بقيعة ، وطريق تخيّل ، يصير إلى سريع تزيّل ، وطروق خيال وطيف ، يحيل بالسقيا على سحابة صيف ، والشفاء كلّ الشفاء ، في حقيقة اللقاء ، وإن كان كما قيل :
بكلّ تداوينا فلم يشف ما بنا * على أنّ قرب الدار خير من البعد »
فالمتشوق يتخيّل ويحلم ويأمل ، ولكن الشوق لا يشفى الغليل ، وإنما الشفاء في اللقاء ، وقرب الدار - كما يقول ابن الدمينة في بيته الذائع - خير من بعدها .
وقد أكثر باب الشوق والحنين من الاستشهاد بالشعر ، فبلغ ثلاثة وثلاثين بيتا ، مفرقة في سبعة عشر موضعا « 3 » .
هامش
( 1 ) انظر ما يلي : ص 81 - 85 .
( 2 ) انظر عن التشوق : النوع الخامس من أنواع التهاني ، في : صبح الأعشى 9 / 142 - 150 .
( 3 ) انظر ما يلي : ص 89 - 98 .