وهو يحاول أن يعلل سلوكه الشائن هذا بضرورة التكيف مع الأحوال والظروف والبيئة الاجتماعية . لقد قلب له الدهر ظهر المجن ولم يعدل في قسمة الخيرات بين الناس ، فجاد بها على الحمقى والأغبياء وحرم العلماء والأذكياء من أمثاله . وخير وسيلة لمقارعة الأيام والحصول على حقوقه الخداع والتقلب والتظاهر بالحمق . وقد عبر عن ذلك بقوله :
أنا أبو قلمون * في كل لون أكون
اختر من الكسب دونا * فإن دهرك دون
زج الزمان بحمق * إن الزمان زبون
لا تكذبن بعقل * ما العقل إلا الجنون
أو يقول في مقامة أخرى :
هذا الزمان مشوم * كما تراه غشوم
الحمق فيه مليح * والعقل عيب ولوم
والمال طيف ولكن * حول اللئام يحوم
إن أبا الفتح ينصح باختيار طرق الكسب الدنيئة ، لأن الدهر دنيء ، وينصح بالتخلي عن العقل والتزام الحمق لأن الناس حمقى ولئام . وهي لعمري فلسفة الدناءة والغباوة ، فلسفة الاستجداء والاستعطاء والاستعطاف والاستسلام ، فلسفة الهوان والذل والحقارة ، فلسفة الموت الخلقي .
والسؤال الذي يمكن طرحه هو التالي : هل تعكس هذه الفلسفة واقعا اجتماعيا مترديا في القرن الرابع الهجري في بلاد فارس ؟ أو هل تعكس فكر بديع الزمان الهمذاني ذاته ؟
يبدو أنها انعكاس لحالة اجتماعية متردية في زمان الهمذاني