فلمّا بلغ هذا البيت قال : يا قوم وطئت داركم بعزم لا العشق شاقه ، ولا الفقر ساقه ، وقد تركت وراء ظهري حدائق وأعنابا ، وكواعب أترابا « 1 » ، وخيلا مسوّمة ، وقناطير مقنطرة ، وعدّة وعديدا ، ومراكب وعبيدا ، وخرجت خروج الحيّة من جحره ، وبرزت بروز الطّائر من وكره ، مؤثرا ديني على دنياي ، جامعا يمناي إلى يسراي ، واصلا سيري بسراي « 2 » ، فلو دفعتم النّار بشرارها ، ورميتم الرّوم بحجارها ، وأعنتموني على غزوها ، مساعدة وإسعادا ، ومرافدة وإرفادا ، ولا شطط فكلّ على قدر قدرته ، وحسب ثروته ، ولا أستكثر البدرة ، وأقبل الذّرّة ، ولا أردّ التّمرة ، ولكلّ منّي سهمان : سهم أذلّقه للّقاء وآخر أفوّقه بالدّعاء « 3 » ، وأرشق به أبواب السّماء ، عن قوس الظلماء .
قال عيسى بن هشام : فاستفزّني رائع ألفاظه ، وسروت جلباب النّوم « 4 » ، وعدوت إلى القوم ، فإذا واللّه شيخنا أبو الفتح الإسكندريّ بسيف قد شهره ، وزيّ قد نكّره ، فلمّا رآني غمزني بعينه ، وقال :
رحم اللّه من أعاننا بفاضل ذيله ، وقسم لنا من نيله ، ثمّ أخذ ما أخذ ، وخلوت به فقلت : أأنت من أولاد النّبيط ؟ فقال :
أنا حالي من الزّما * ن كحالي مع النّسب « 5 »
نسبي في يد الزّما * ن إذا سامه انقلب
أنا أمسي من النّبي * ط وأضحي من العرب
هامش
( 1 ) الكواعب : البنات البارزات الثدي . أترابا : في العمر نفسه .
( 2 ) السري : السير في الليل .
( 3 ) ذلق السهم : حدده . وفوّق السهم : أعده للرمي .
( 4 ) سروت جلباب النوم : خلعت ثوب النوم .
( 5 ) يريد أن يقول إن نسبه متقلب كالزمان فتارة نبطي وطورا عربي .