أخذوا الوقت بين آس مخضود « 1 » ، وورد منضود « 2 » ، ودنّ مفصود « 3 » ، وناي وعود ، فصرنا إليهم وصاروا إلينا ، ثمّ عكفنا على خوان « 4 » قد ملئت حياضه ، ونوّرت رياضه ، واصطفّت جفانه « 5 » ، واختلفت ألوانه ، فمن حالك بإزائه ناصع ، ومن قان تلقاءه فاقع « 6 » ، ومعنا على الطّعام رجل تسافر يده على الخوان ، وتسفر بين الألوان « 7 » ، وتأخذ وجوه الرّغفان ، وتفقأ عيون الجفان ، وترعى أرض الجيران « 8 » ، وتجول في القصعة ، كالرّخّ في الرّقعة « 9 » ، يزحم باللّقمة اللّقمة ، ويهزم بالمضغة المضغة ، وهو مع ذلك ساكت لا ينبس بحرف ، ونحن في الحديث تجري معه ، حتّى وقف بنا على ذكر الجاحظ « 10 » وخطابته ، ووصف ابن المقفّع « 11 » وذرابته ، ووافق أوّل الحديث آخر الخوان ، وزلنا عن ذلك
هامش
( 1 ) الآس : الريحان . ومخضود : مجمع ومثنى من غير كسر .
( 2 ) منضود : جمع بعضه فوق بعض .
( 3 ) الدن المفصود : وعاء الخمر المفتوح .
( 4 ) الخوان : المائدة قبل وضع الطعام عليها .
( 5 ) الجفان : جمع جفنة وهي القصعة الكبيرة .
( 6 ) حالك : أسود . ناصع : أبيض . قان : أحمر . فاقع : أصفر .
( 7 ) تسفر بين الألوان : توفق وتتوسط بين مختلف أنواع الطعام .
( 8 ) ترعى أرض الجيران : أي يتناول طعام الآخرين .
( 9 ) الرخ في الرقعة : طابية الشطرنج التي تروح وتجيء في نواحيه الأربعة .
( 10 ) الجاحظ : هو عمرو بن بحر بن محبوب الكناني ( 150 - 250 ه ) ولد وتوفي في البصرة ، وجمع الأدب إلى الفلسفة ، وكان أحد شيوخ المعتزلة الكبار ، وألف نحو مائتي كتاب ورسالة أهمها الحيوان ، والبيان والتبيين ، والبخلاء ، والتربيع والتدوير ، والمعرفة ، ونفي التشبيه الخ .
( 11 ) ابن المقفع : هو عبد اللّه أو روزبه بن داذويه ( - 759 م ) . عاش في العصرين الأموي والعباسي واتصل بأعمام المنصور الخليفة العباسي الذي -