ونستأصل شأفته ، ولم نزل نفري أسنمة النّجاد « 1 » ، بتلك الجياد ، حتّى صرن كالعصيّ ، ورجعن كالقسيّ ، وتاح لنا واد في سفح جبل ذي ألاء وأثل « 2 » ، كالعذارى يسرّحن الضّفائر ، وينشرن الغدائر ، ومالت الهاجرة بنا إليها ، ونزلنا نغوّر ونغور « 3 » ، وربطنا الأفراس بالامراس ، وملنا مع النّعاس ، فما راعنا إلّا صهيل الخيل ، ونظرت إلى فرسي وقد أرهف أذنيه ، وطمح بعينيه ، يجذّ قوى الحبل بمشافره ، ويخدّ خدّ الأرض بحوافره « 4 » ، ثمّ اضطربت الخيل فأرسلت الأبوال ، وقطّعت الحبال ، وأخذت نحو الجبال ، وطار كلّ واحد منّا إلى سلاحه ؛ فإذا السّبع في فروة الموت ، قد طلع من غابه ، منتفخا في إهابه « 5 » ، كاشرا عن أنيابه ، بطرف قد ملئ صلفا ، وأنف قد حشي أنفا ، وصدر لا يبرحه القلب ، ولا يسكنه الرّعب ، وقلنا خطب ملمّ ، وحادث مهمّ ، وتبادر إليه من سرعان الرّفقة فتى :
أخضر الجلدة في بيت العرب * يملأ الدّلو إلى عقد الكرب « 6 »
هامش
( 1 ) نفري أسنمة النجاد : نقطع ظهور المرتفعات .
( 2 ) تاح : تهيأ . آلاء : شجر مر جميل . أثل : شجر كبير دون ثمر . شبه النساء بهذه الأشجار التي تتدلى أغصانها كشعرهن .
( 3 ) الهاجرة : شدة الحر عند منتصف النهار . نغوّر : ننزل الغور ، أي الأرض المستوية . نغور : ننام .
( 4 ) جذّ : قطع . خدّ : شق . خد الأرض : ظهرها أو وجهها .
( 5 ) الإهاب : الجلد .
( 6 ) هذا البيت مأخوذ من بيتين للفضل بن العباس المهلبي هما :وأنا الأخضر من يعرفني * أخضر الجلدة من بيت العرب
من يساجلني يساجل ماجدا * يملأ الدلو إلى عقد الكرب