كلّ واحد منهم يعتذر ممّا فعل ، ويظهر النّدم على ما صنع ، فأوهمتهم أنّي قد صفحت عنهم ، ولم أظهر لهم أثر الموجدة عليهم بما تقدّم ، فطابت نفوسهم ، وسكنت جوارحهم ، وانصرفوا على ذلك ، وعادوا إليّ في اليوم الثّاني ، فحبستهم عندي ، ووجّهت وكيلي إلى السّوق فلم يدع شيئا تقدّمت إليه بشرائه إلّا أتى به ، وكانت لنا طبّاخة حاذقة ، فاتخذت عشرين لونا من قلايا محرقات ، وألوانا من طباهجات ، ونوادر معدّات ، وأكلنا وانتقلنا إلى مجلس الشّراب ، فأحضرت لهم زهراء خندريسيّة « 1 » ، ومغنّيات حسان محسنات ، فأخذوا في شأنهم وشربنا ، فمضى لنا أحسن يوم يكون ، وقد كنت استعددت لهم بعددهم خمسة عشر صنّا من صنان الباذنجان ، كلّ صنّ بأربعة آذان « 2 » ، واستأجر غلامي لكلّ واحد منهم حمّالا كلّ حمّال بدرهمين ، وعرّف الحمالين منازل القوم ، وتقدّم إليهم بالموافاة بعشاء الآخرة ، وتقدّمت إلى غلامي وكان داهية أن يدفع إلى القوم بالمنّ والرّطل ، ويصرف لهم ، وأنا أبخّر بين أيديهم النّدّ والعود والعنبر ، فما مضت ساعة إلّا وهم من السّكر أموات لا يعقلون ، ووافانا غلمانهم عند غروب الشّمس كلّ واحد منهم بدابّة أو حمار أو بغلة ، فعرّفتهم أنّهم عندي اللّيلة بائتون ، فانصرفوا ، ووجّهت إلى بلال المزيّن فأحضرته ، وقدّمت إليه طعاما فأكل ، وسقيته من الشّراب القطربلى ، فشرب حتّى ثمل ، وجعلت في فيه دينارين أحمرين ، وقلت : شأنك والقوم ، فحلق في ساعة واحدة خمس عشرة لحية ، فصار القوم جردا مردا ، كأهل الجنّة ، وجعلت لحية كلّ واحد منهم مصرورة في ثوبه ، ومعها رقعة مكتوب فيها : « من أضمر بصديقه الغدر وترك الوفاء ، كان هذا مكافأته والجزاء » ، وجعلتها
هامش
( 1 ) زهراء خندريسية : خمر متلألئة .
( 2 ) الصن : السلة .