تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقامات بديع الزمان الهمذاني — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
وائل « 1 » ، وأدهى من قصير « 2 » ، وأشعر من جرير ، وأعذب من ماء الفرات ، وأطيب من العافية ، لبذلي ومروءتي ، وإتلاف ذخيرتي ، فلمّا خفّ المتاع ، وانحطّ الشّراع ، وفرغ الهراب ، تبادر القوم الباب ، لمّا أحسّوا بالقصّة ، وصارت في قلوبهم غصّة ، ودعوني برصة « 3 » ، وانبعثوا للفرار ، كرمية الشّرار ، وأخذتهم الضّجرة ، فانسلّوا قطرة قطرة ، وتفرّقوا يمنة ويسرة ، وبقيت على الآجرّة ، قد أورثوني الحسرة ، واشتملت منهم عليّ العبرة ، لا أساوي بعرة ، وحيدا فريدا كالبوم ، الموسوم بالشّوم ، أقع وأقوم ، كأنّ الّذي كنت فيه لم يكن ، وندمت حين لم تنفعني النّدامة ، فبدّلت بالجمال وحشة ، وصارت بي طرشة ، أقبح من رهطة المنادي « 4 » ، كأنّي راهب عباديّ ، وقد ذهب المال وبقي الطّنز « 5 » ، وحصل بيدي ذنب العنز ، وحصلت في بيتي وحدي متفتّتة كبدي ، لتعس جدّي ، قد قرّحت دموعي خدّي ، أعمر منزلا درست
هامش
( 1 ) سحبان وائل : هو سحبان بن زفر بن أياد الوائلي الربيعي . نشأ في الجاهلية ولما جاء الإسلام أسلم وتقلبت به الأحوال حتى اتصل بمعاوية وأيده . كان خطيبا مصقعا ذرب اللسان حاضر البديهة يخطب الساعات دون نحنحة أو سعال أو توقف أو تلكؤ ولا ترديد معنى . ( 2 ) أدهى من قصير : من أصحاب الرأي في الجاهلية . كان مقربا من جذيمة الأبرش ، الذي استدعته الزباء ملكة تدمر عارضة عليه الزواج والملك . فاستشار خاصته فأشاروا عليه بأن يسير إليها عدا قصيرا الذي قال مخالفا لهم : هذا رأي فاتر وعذر حاضر . وأشار عليه باستدعائها بدل الذهاب إليها . فلم يسمع رأيه وذهب إليها فقتل . ( 3 ) البرصة : دويبة صغيرة حقيرة . ( 4 ) رهطة : رجل ضرب به المثل في الصمم . ( 5 ) الطنز : المهانة والسخرية .
مقامات بديع الزمان الهمذاني — صفحة 174 | علي أبو ملحم / أبو الفضل أحمد بن حسين بديع الزمان الهمذاني