تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقامات بديع الزمان الهمذاني — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
ثمّ مال إلى أحد الخصمين فقال : يا هذا إلى كم هذه المنافسة مع النّاس ، بهذا الرّأس ؟ تسلّ عن قليل خطره ، إلى لعنة اللّه وحرّ سقره « 1 » ، وهب أنّ هذا الرّأس ليس « 2 » ، وأنّا لم نر هذا التّيس . قال عيسى بن هشام : فقمت من ذلك المكان خجلا ، ولبست الثّياب وجلا « 3 » ، وانسللت من الحمّام عجلا ، وسببت الغلام بالعضّ والمصّ « 4 » ، ودققته دقّ الجصّ « 5 » ، وقلت لآخر : اذهب فأتني بحجّام يحطّ عنّي هذا الثّقل ، فجاءني برجل لطيف البنية ، مليح الحلية ، في صورة الدّمية ، فارتحت إليه ، ودخل فقال : السّلام عليك ، ومن أيّ بلد أنت ؟ فقلت : من قمّ « 6 » ، فقال : حيّاك اللّه ! من أرض النّعمة والرّفاهة وبلد السّنّة والجماعة ، ولقد حضرت في شهر رمضان جامعها وقد أشعلت فيه المصابيح ، وأقيمت التّراويح ، فما شعرنا إلّا بمدّ النّيل ، وقد أتى على تلك القناديل ، لكن صنع اللّه لي بخفّ قد كنت لبسته رطبا فلم يحصل طرازه على كمّه « 7 » ، وعاد الصّبيّ إلى أمّه ، بعد أن صلّيت العتمة واعتدل الظّلّ ، ولكن كيف كان حجّك ؟ هل قضيت مناسكه كما وجب ، وصاحوا : العجب العجب ؟ فنظرت إلى المنارة ، وما أهون الحرب على النّظّارة ، ووجدت الهريسة على حالها ، وعلمت أنّ الأمر بقضاء من اللّه وقدر ، وإلى متى هذا الضّجر ؟ واليوم وغد ،
هامش
( 1 ) سقره : نار جهنم . ( 2 ) ليس : لا وجود له ، أصلها لا إيس . والأيس : الوجود . ( 3 ) وجلا : خائفا . ( 4 ) أي قلت : عضّ عن أبيك ، ومص عن أمك . ( 5 ) دققته دق الجص : ضربته ضربا أليما أو شديدا . ( 6 ) قم : مدينة إيرانية . ( 7 ) ليس للحق طراز : أي لم يوشّ ويزين .