بأس به ، قد فعله ابن عمر وجماعة من التابعين ، واستحسنه الشعبي وابن سيرين والنخعي . قال بعضهم : تركها واعفاؤها أحب ، واختاره الحسن وقتادة ، وذلك لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « اعفوا اللحى » . والمختار : التوسط ؛ بأن لا ينتهي إلى تقصيص اللحية وتدويرها من الجوانب ، وهذا افراط في القص ، وأن لا يطول طولا مفرطا يشوه الخلقة ، ويطلق ألسنة المغتابين بالنبذ اليه ولذلك قيل :
كلما طالت اللحية تشمر العقل ؛ وقال الشاعر :
هلَّوفة يحملها مائق * مقلوب هارون بها لائق
والهلوفة - بكسر الهاء وتشديد اللام المفتوحة وواو ساكنة ثم فاء مفتوحة - اللحية الطويلة ؛ وما اشتهر بين الطلاب من القاف بدل الفاء فغلط ؛ والمائق :
هو الأحمق ومقلوب هارون : نوره .
وأعلم أن اللحية فيها عشر خصال مكروهة ، بعضها أشد من بعض :
( إحداها ) خضابها بالسواد فهو منهي عنه . وأول من خضب بالسواد فرعون . وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « الخضاب بالسواد خضاب الكفار » ، وفي رواية : خضاب أهل النار ، وغير ذلك من الأحاديث تزوج رجل على عهد عمر رضي اللّه عنه ، وأطلقوا على أنه كان خضب لحيته ، فرد عمر نكاحه وأوجعه ضربا ، وقال : غررت القوم بالشباب ولبست عليهم شيبتك - الا أن يخضب لأجل الغزو ، فحينئذ يجوز ان صحت النية ولم يكن فيه هوى ولا شهوة ، وقد فعله بعض العلماء للغزو .
( ثانيتها ) تبيضها بالكبريت استعجالا لإظهار علو السن ، توصلا إلى التوفير وقبول الشهادة والتصديق بالرواية عن الشيوخ ، واظهارا لكثرة العلم ، وترفعا عن الشباب ؛ وكل هذا منهي عنه : للكذب والزور ، مع اظهار الحمق في اظهار العلم ، لأن كثرة العلم لا تحصل بطول السن ولا تنقص بالشباب ، بل العلم غريزة تقوى بالشباب ؛ وكان عمر يقدم ابن عباس على مشيخة الصحابة ويسأله دونهم ، وكان ابن عباس يقول : ما آتى اللّه سبحانه عبدا علما إلا شابا ، والخير كله في الشباب ، ثم تلا قوله تعالى :
قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ