والكسائي بقرية أزنبوبة ، وبينهما أربعة فراسخ ، وكان معسكره أربعة فراسخ ، نزل الإمام محمد في جانب ، والكسائي في جانب .
عن هشام بن عبد اللّه - الذي توفي الإمام في بيته - أنه لما حضرته الوفاة ، بكى وقال : لو أوقفني اللّه تعالى ، وقال : يا محمد ، ما أقدمك على الري ، أمجاهدا في سبيلي ، أم ابتغاء مرضاتي ، ما أقول .
عن الربيع ، عن الشافعي : ما رأت عيناي مثل محمد بن الحسن ، ولم تلد النساء في زمانه مثله . حكى أنه قيل لمحمد : ألا تصنف في الزهد كتابا ، قال :
نعم ، وكان قد فرغ من تصنيف الأحكام ، وخف دماغه ، وأراد أن يصنف في الزهد مائة تصنيف ، فلم يتفرغ إلا لهذا الكتاب ، وأنه كان في الزهد والورع ؛ وقيل أنه طلب من محمد أن يفهرس تصانيفه ، فبلغ ألف تصنيف ، لو عاش لأتمها وأتعب المقتبسين ، وقيل : موته رحمة وحياته رحمة .
وعنه عن الشافعي : ليس لأحد عليّ من المنة في العلم وأسباب الدنيا ما لمحمد علي ؛ وكان يترحم عليه في عامة الأوقات ، وقال : حبست بالعراق لدين فسعى محمد حتى خلصني ، فأنا له شاكر من بين الجميع . قيل : أفلس الشافعي ، فأمر محمد أصحابه فجمعوا له مائة ألف درهم ، ثم أفلس الثانية ، فأمر له سبعين ألف درهم ، ثم أفلس في الثالثة ، وقال : لو كان فيك خير لكفاك ما جمعت ، لك ولعقبك . وقيل كان الشافعي مشتغلا بكتب محمد ، فلما قال ذلك أظهر الخلاف .
وعن الجارود بن معاوية ، قال : كان الشافعي بالعراق يصنف الكتب ، وأصحاب محمد يكسرون عليه أقاويله بالحجج ، وأصحاب الحديث أيضا لا يلتفتون إلى أقواله ، ويرمونه بالاعتزال ، فلما لم يقم له بالعراق سوق ، خرج إلى مصر ، ولم يكن بها فقيه معلوم ، فقام بها سوقه .
عن أبي عبيد قال : قدمت على محمد ، فرأيت الشافعي عنده ، فسأله عن شيء فأجاب ، فرضي بالجواب فكتبه ، فرآه محمد فوهب له مائة درهم ، وقال :
ان كنت تشتهي العلم فألزم . سمعت الشافعي يقول : لقد كتبت عنه حمل بعير ، ولولاه ما لصق بي من العلم شيء ، والناس كلهم عيال على أهل العراق ، وهم
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 219
مساهمون: أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
ص٢١٩