المقدمة الرابعة في بيان النسبة بين طريق النظر وطريق التصفية
اعلم : أن الكل متفقون على أن السعادة الأبدية والسيادة السرمدية لا تتم إلا بالعلم والعمل . وأنهما توأمان . وله توجيهان :
( أحدهما ) : الشائع المشهور وهو أنه لا يعتد بواحد منهما بدون الآخر إذ العلم بدون العمل وبال . والعمل بلا علم ضلال . وقال اللّه تعالى :
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ
« 1 » .
( وثانيهما ) : أن كلا منهما ثمرة للآخرة . مثلا إذا تمهر الرجل في اكتساب العلم وحذق فيه لا مندوحة له عن العمل بموجبه . إذ لو قصر في العمل لم يكن في علمه كمال . وأيضا إذا باشر الرجل العمل وجاهد فيه وارتاض حسبما بينوه من الشرائط ينصب على قلبه العلوم النظرية بكمالها . كما قال اللّه تعالى :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
« 2 » .
وهاتان طريقتان . والأولى منهما طريقة الإستدلال . والثانية طريقة المشاهدة والأولى درجة العلماء الراسخين . والثانية درجة الصديقين . وقد تنتهي كل من الطريقتين إلى الأخرى فيكون صاحبه مجمعا للبحرين أي يجري الإستدلال والمشاهدة أو العلم والعرفان أو الشهادة والغيب .
وإذا عرفت أن السالكين إلى الحق مع كثرة الطرق وخروجها عن حد الإحصاء نوعان :
هامش
( 1 ) سورة فاطر ، آية : 10 .
( 2 ) سورة العنكبوت ، آية : 69 .