وأيضا ينبغي للمفتي أن يتجنب في ألفاظ جوابه عن الألغاز فيوقع الخلق في جهل عظيم ويقع هو في اثم كبير وربما أداه ذلك إلى إراقة الدماء لغرض مثل قول القائل : أنا أحمد النبي . ويريد « بأحمد » الفعل . ويجعل النبي منصوبا مفعولا يعني أحمد نبينا صلى اللّه عليه وسلم . ومثل قول القائل : معي ما لم يخلقه اللّه . ويريد به القرآن . ونحو ذلك . وحكاية بعض العلماء مع الخليفة المأمون شهيرة . ولكن ان وقع مثل هذا عن أحد لا ينبغي للمفتي الإقدام على التفكير من غير تأمل وفحص وإن كان الإطلاق نفسه مستهجنا ومستقبحا .
وأما آداب القضاء :
فأعلم أن السلف حذروا العلماء عن تقلد القضاء والاجتراء لما روى عن أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « من جعل قاضيا فكأنما ذبح نفسه بغير سكين » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « قاضيان ، قاض في النار ، وقاض في الجنة » . ومما شاع بين الناس أن أبا حنيفة رحمه اللّه اختار الحبس والضرب ولم يتقلد القضاء . قيل : إنه دعي إلى القضاء ثلاث مرات فأبى حتى ضرب في كل مرة ثلاثين سوطا . فلما كان في المرة الثالثة قال : حتى أستشير أصحابي . فاستشار أبا يوسف رحمه اللّه فقال أبو يوسف : لو تقلدت لنفعت الناس . فنظر إليه أبو حنيفة نظرة المغضب ، وقال : أرأيت لو أمرت أن أعبر البحر سباحة أكنت أقدر عليه وكأني بك قاضيا . وروى عنه أنه لما تقلد نوح الجامع من أصحابه القضاء بمرو كتب إليه : يا نوح ورد كتابك ووقفت على ما فيه . تقلدت أمانة عظيمة يعجز عنها الكبار من الناس وأنت كالغريق وأطلب لنفسك مخرجا . وعليك بالتقوى فإنه ملاك الأمر والخلاص في المعاد والنجاة من كل بلية وبه يدرك حسن العواقب قرن اللّه تعالى بخير العواقب أمورنا ووفقنا لمرضاته أنه سميع قريب .
قال الفقهاء : إذا كان للسلطان أو القاضي من العلم ما يجوز به قضاؤه لم يسعه أن يمتنع وإلا أي أن لم يكن له ذلك فهو في سعة من الامتناع . وقال بعضهم : لا بأس يالدخول في القضاء لمن يثق بنفسه أن يؤدي فرضه ويكره الدخول فيه لمن يخاف العجز عنه ولا يأمن على نفسه الحيف فيه . وكره بعضهم الدخول في القضاء وفسر الكراهية هنا بعدم الجواز . والصحيح من بين الأقوال