( إحداها ) خزانة العباسيين ببغداد :
وكان فيها من الكتب ما لا يحصى كثرة ، ولا يقوم عليه نفاسة ، ولم تزل على ذلك إلى أن دهمت التتار بغداد ، فذهبت الكتب فيما ذهب ، وذهبت معالمها وجهل آثارها .
( والثانية ) خزانة الفاطميين بمصر :
وكانت من أعظم الخزائن ، وأكثرها جمعا للكتب النفيسة من جميع العلوم .
ولم تزل على ذلك ، إلى أن انقرضت دولتهم بموت العاضد آخر خلفائهم ، واستيلاء السلطان صلاح الدين على المملكة بعدهم ، فاشترى القاضي الفاضل أكثر كتب هذه الخزانة ، ووقفها بمدرسة الفاضلية بدرب ملوخيا بالقاهرة ، فبقيت فيها إلى أن استولت عليها الأيدي فلم يبق منها إلا القليل .
( والثالثة ) خزانة خلفاء بني أمية بالأندلس :
وكانت من أجل خزائن الكتب أيضا ، ولم تزل على ذلك إلى انقراض دولتهم ، باستيلاء ملوك الطوائف على الأندلس ، فذهبت كتبها كل مذهب .
أما الآن : فقد قلت عناية الملوك بخزائن الكتب ، اكتفاء بخزائن كتب المدارس التي ابتنوها ، من حيث أنها بذلك أمس . إلا أن لسلطاننا الأعظم - الذي تشرف زماننا هذا بوجوده وظله - خزانة كتب ، يحكى أنه ليس كتاب شرعي وغير شرعي ، وعربي وفارسي ، إلا ويوجد فيها ، إلا أنها مصونة عن أيدي الطالبين . أدام اللّه دولة هذا السلطان ، وأبقى عمره إلى آخر الزمان .
يحكى : أن عمرو بن العاص لما فتح الإسكندرية ، وجد فيها خزانة كتب ، فاستشار فيها عمر رضي اللّه عنه ، فكتب إليه عمر ، رضي اللّه عنه : أما الكتب التي ذكرتها ، إن كان فيها ما يوافق كتاب اللّه ففيه غنى عنها ، وإن كان غير ذلك فلا حاجة فيها ، فتقدم بإعدامها » . فأخذ عمرو بن العاص في تفريقها على حمامات الإسكندرية وإحراقها في مواقدها ، فنفذ في مدة ستة أشهر . وذكر في ( فتوحات الشام ) : أن الإسكندرية حين فتحت ، كان فيها ألف حمام ،