ودخل حمصيّ على عروة بن الزبير لما قطعت رجله ، فقال : أقطعت رجلك ؟ قال :
نعم حبذا أفأنت مغتم . قال : كما يكون مثلي قال : لا تغتم فإنك لو رأيت ثوابها لتمنّيت أن اللّه قطع رجلك ويديك وأعمى بصرك ودقّ صلبك .
وعزّى بعض الحمقاء جارا له بامرأته فقال : أعظم اللّه أجرك ، ورحم الظعينة فقد ماتت في يوم جيد يوم الثلاثاء ، فقيل له : إن هذا اليوم جيد لإخراج الدم فقال : هو لإخراج الروح أجود .
الرزيّة فقد الأماثل لا فقد الأموال
قال شبيب بن البرصاء :
لعمرك ما الرزيّة بالمطايا * ولا الخيل الجياد ولا العبيد
ولكنّ الرزيّة كلّ خرق * من الفتيان متلاف مفيد « 1 »
وقال آخر :
لا أعد الإقتار عدما ولكنّ * فقد من قد رزئته الإعدام « 2 »
وقال لبيد :
إن الرزيّة لا رزيّة مثلها * فقدان كلّ أخ كضوء الكوكب
الموت يعاجل الأفاضل ويؤخّر الأراذل
هو الدهر لا يبقى عليه مقدم * جواد ولا وغد من النّاس واضع
بكلّ أراه فاجعا غير أنه * إلى الحرّ والعلق النفيس مسارع
وقال أبو تمّام :
أن ينتجل حدثان الدهر أنفسكم * ويسلم الناس بين الحوض والعطن « 3 »
فالماء ليس عجيبا أنّ أعذبه * يفنى ويمتدّ عمر الآجن الأسن « 4 »
وقال آخر :
يقود الزمان جياد الخيول * ويبقي الرّذال على المدود « 5 »
وقال آخر :
كريم لزاد يحبسه الوعاء
هامش
( 1 ) الخرق المتلاف : الحمق المودي إلى الهلاك .
( 2 ) الإقتار : الحاجة والعوز - عدما : فقرا .
( 3 ) انتجل : صفّى - الحوض : مكان الشرب - العطن : مبرك الجمال حول الماء .
( 4 ) الآجن : الفاسد .
( 5 ) الرذال : جمع الرذيل ، وهو الدون والخسيس - المدود : جمع مدّ وهو كثرة الماء والمراد أن الزمان يمدّ للأراذل حبل الغيّ .