وقيل : التأسف على الفائت تضييع وقت ثان إن كنت جازعا لما أفلت منك ، فاجزع على ما لم يصل إليك . الحزم التسلي عما لا يغني الغم فيه والاحتيال لدفع ما يندفع بالحيلة . وقيل لحكيم : الخوف أشدّ أم الحزن ؟ فقال : الحزن لأن الخوف صار مكروها لما فيه من الحزن ، فكما أن السرور غاية كل محبوب فالحزن غاية كل مكروه .
ذهاب الحزن بعد انقضاء المدة
الحزن ينضو عن ابن آدم كما ينضو الصبغ عن الثوب ولو بقي لقتله . قال المتنبي :
وللواجد المكروب من زفراته * سكون عزاء أو سكون لغوب « 1 »
حقيقة الصبر
قيل : الصبر حبس النفس على المكروه وعما تدعوك إليه . وقيل : الصبر صبران ، صبر على المكروه فيما يلزمك فعله وصبر عما يدعوك إليه الهوى . وسمع رجل آخر يقول :
اللّهم ارزقني صبرا ، فقال له : ما أراك تسأل اللّه إلا الغم .
الحثّ على دفع النّدب بالصّبر
قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : الصبر ستر من الكروب وعون على الخطوب . أفضل العدّة الصبر على الشدة . وقال أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه : الصبر مطيّة لا تكبو ، والقناعة سيف لا ينبو . إذا استهدف غرض الهم فارمه بنبال الصبر . وقيل : اجعل صبرك على النوائب كفاء شكرك على المواهب . الصبر عند النقم والشكر عند النعم .
وقال عمر رضي اللّه عنه : لو كان الصبر والشكر بعيرين ما باليت أيهما ركبت . الصبر يناضل الحدثان والجزع من أعوان الزمان . وما في الشكوى إلا أن تحزن صديقك وتشمت عدوك . وقال أنو شروان : جميع مكاره الدنيا تنقسم إلى قسمين ، ضرب فيه حيلة فالاضطراب دواؤه ، وضرب لا حيلة فيه فالاصطبار شفاؤه ، وقالت الفرس : كلمتان يقولهما العاقل عند نائبته ، إحداهما هذه الحال خير ممّا هو شر منها ، والأخرى لعل اللّه أن يجعل في هذا المكروه خيرا .
وكلمتان يقولهما الجاهل : لعل ما أصابني يدعو إلى شر منه والأخرى لو كان بدل هذا كذا وكذا من المصيبة ، قال شاعر :
ولخير حظّك في المصيبة أن * يلقاك عند نزولها الصبر
الصبر يفضي إلى الفرح والظفر
الصبر على مرارة العاجل يفضي إلى حلاوة الآجل . إنك لا تنال قليل ما تحب إلا بالصبر على كثير ما تكره . حيلة من لا حيلة له الصبر . قيل : لكل شيء ثمرة وثمرة الصبر
هامش
( 1 ) الواجد : الحزين - اللغوب : الإعياء . أي أن المحزون لا بدّ له من سكون فإن لم يسكن عزاء أعياه الحزن فسكن عجزا .