كلموهم نزرا وأطعنوهم شزرا ولا تقبلوا لهم عذرا ، أقصروا الأعنّة واشحذوا الأسنّة وكلوا القريب يرهبكم البعيد . ولما حضرت الفرزدق الوفاة قال لقومه :
أروني من يقوم لكم مقامي * إذا ما الأمر جلّ عن العتاب « 1 »
إلى من تفزعون إذا حثيتم * بأيديكم عليّ من التراب « 2 »
فقالت مولاة له : إلى اللّه تعالى ، فقال : أتتكلمين على غيري ، وأنت تعيشين في مالي ؟ أمحو اسمها وكتبها من الوصية .
وقيل للحطيئة : أوص يا أبا مليكة ، قال : نعم أخبروا الشمّاخ أنه أشعر العرب ، فقيل أوص للمساكين ، فقال : أوصيهم بالإلحاف في المسألة ، قيل : أعتق عبدك فلانا ، قال : هو عبد ما بقي على ظهر الأرض وعتيق إذا صار في بطنها ، فقيل : أوص فإن لك بنات قال :
مالي للذكور دون الإناث ، فقالوا له : إن اللّه لم يقل كذا قال : أنا أقوله ، قيل : فأوص للأيتام بشيء ، قال : كلوا أموالهم وانكحوا أمهاتهم . ثم قال : احملوني على حمار فإنه لم يمت عليه كريم قط ، وويل للشعر من رواة السوء .
وكان دريد بن الصمة قد عاش أربعمائة سنة فلما نزل به الموت قال لولده : أوصيكم بالناس شرا ، طعنا لزا وضربا أزا ، وإن أردتم المحاجزة فقبل المناجزة ، أقصروا الأعنة وأطيلوا الأسنة وأرعوا الكلأ ، ثم قال :
اليوم هيي لدريد بيته * يا ربّ بهت حسن حويته « 3 »
ومعصم ذي مرة لويته * لو كان للدهر بلى أبليته
أو كان قرني واحدا كفيته « 4 »
قال إسماعيل بن قيس : دخلنا على معاوية في مرضه الذي مات فيه ، فقال : هل الدنيا إلا ما جربنا لوددت أني لا أقيم فيكم ثلاثا حتى ألقى اللّه ، فقلنا : إلى رحمة اللّه .
فقال : إلى ما شاء اللّه . إني لم آل فيكم إذ وليتكم فإن اللّه لو كره أمرا غيّره . قال ابن عيينة : هذا واللّه الاغترار ، ألم تكن مقاتلته عليا وقتله حجرا وبيعته ليزيد مما يكره اللّه تعالى ؟
من أحبّ الموت وذكر نفعه ومضرّته
قال عبد اللّه بن مسعود : ما من نفس حيّة إلا والموت خير لها إن كان برا فإن اللّه تعالى يقول :
وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ
« 5 » ، وإن كان فاجرا فإن اللّه تعالى يقول :
وَلا
هامش
( 1 ) العتاب : اللوم .
( 2 ) تفزعون إلى : تلجئون .
( 3 ) البهت : الباطل ، والضعف .
( 4 ) قرني : القرن الكفؤ والنظير - أبليته : اجتهدت في مصارعته .
( 5 ) القرآن الكريم : آل عمران / 198 .