مختلفون ، فمنا فرقة تقول : الرزق جعله اللّه لجميع عباده عاصيهم ومطيعهم ، ومنا فرقة تقول : هو لأولياء اللّه خاصة جعله اللّه لهم ، فمن نال مما في أرض اللّه من أرزاقه شيئا غير أوليائه فقد تعدى ، وأكل ما يعذبه اللّه عليه يوم القيامة ، وقد أجبتكم بحول اللّه جوابا يقبله المسترشدون ، ولا يبطله الجاحدون .
اعلموا - هداكم اللّه - أن مسألتكم هذه تبن على أصل يتفرع على وجهين ، وكلا الوجهين يتفرع على جهات شتى ، أثبتها في مواضعها إن شاء اللّه تعالى .
فأما الأصل الذي تبنى عليه ، فهو الرزق نفسه ، واللّه جل اسمه خلقه يوم خلق أرضه وسماه ، وجعله لآدم صلى اللّه عليه ولذريته من بعده مباحا ، إلا ما احتجز كاسب منهم ، ما وضع يده فيه ، وأتعب نفسه به ، وأنفق ماله عليه ، وذلك مثل الفراغ من الأرض وما يعمل فيها ، ومثل الأشجار المباحة وما يغرس منها ، وصيود البر والبحر وما ينال منها ، والمعادن البرية ، والجواهر البحرية ، وأرباح التجارات ، وكد الإجارات ، فهذه المعايش كلها لا يجوز لأحد أن يحتجرها بالكلية ، كما قد نرى في هذا الزمان الفاسد أهله .
وأما الأنعام فهي مستقيمة غير مشاعة ولا مباحة ، فهذه جمل الرزق الذي جعله اللّه لآدم ولذريته من بعده ، فقد صنفته لكم وعرفتكم به كيف الوصول إليه . ثم للّه جل اسمه فيه خالصة استثناها على الموحدين ، وشريطة شرطها على الجاحدين ، وأنا مبين ذلك في مواضعه إن شاء اللّه .
وأما الوجهان اللذان يتفرعان من الرزق ، فأحدهما : الاكتساب من حيث أباح اللّه الاكتساب ، مما ذكرت في أول هذه المسألة ، فمن اكتسب من هذا
مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم العياني — صفحة 63
مساهمون: القاسم بن علي بن عبد الله العياني
ص٦٣