الغيث عن عباده الذي جعل به صلاح معايشهم وقوام أبدانهم ، اجتمعوا وبرزوا عن ديارهم واستسقوه ودعوه ورغبوا إليه . فإذا كان هذا ممّا ينبغي لهم أن يفعلوه لما يرجونه من حياة هذه الأجسام الفانية وما يؤمّلونه من بقايا مدّة يسيرة وأيّام قليلة ، فكيف ينبغي لهم أن لا يفعلوا فيما يرجون به خلاص أرواحهم الباقية من عذاب الآخرة الدائم ، وخلودها في النعيم المقيم ؟ / أليس ينبغي أن تكون رغبتهم في هذا أشدّ وابتغاؤهم أكدّ ؟ أو ما علمتم أنّ غيث السماء له أوان يرتجى فيه وينفع اللّه به ؟ وإذا ذهب أوانه ذهب نفعه ولم ينبغ سؤاله ؟ فكذلك واللّه هذه النّعمة العظيمة والرحمة الواسعة ، لها أوان تكون فيه ، ووقت تحلّ به ، فإن مضى أوانها وتقضّى وقتها لم تجدوها ولم ينفعكم حينئذ أن تطلبوها .
ألا ، وهذا وقت أوانها وحين إبّانها ، فاحذروا الغفلة واستعملوا الطلب والرّغبة ، وبادروا قبل الفوت واعملوا قبل الموت ، فإنّما هي أيّام قلائل ، ووقت ما يرتجى فيه النجاة والرحمة زائل .
ثم قال : / من ذا وجد من إمام قبلنا ما وجدتموه عندنا ؟ إنّا لنجيب من سأل ونبتدئ من لم يسأل ممّن نرى أنّه يقبل ، وما يخيب لدينا إلّا المعرضون عن اللّه وعنّا .
أدب في مسايرة « 1 » :
16 - ( قال ) وسمعته يقول وأنا أسايره وقد ذكر السّرّ ، وما ينبغي من كتمانه وطيّه فقال : لقد كان المنصور باللّه ( صلع ) ربّما أسرّ إليّ السرّ ، فلما أعتقده من طيّه وكتمانه ربّما أنسيته ويسألني بعد ذلك عنه فلا أعرفه .
موعظة جرت في مجلس :
17 - ( قال ) وسمعته يقول وقد ذكر رجلا مشوّه الخلق أعمى مقعدا ، وأنّه رآه في بعض الطرقات ، وهذا الرجل معروف . فقال المعزّ لدين / اللّه صلوات اللّه عليه : ينبغي لمن نظر إلى ذلك وأشباهه من ذوي العاهات والبلوى أن يحمد اللّه على ما عافه ويتفكّر في عظيم نعمته عنده .
هامش
( 1 ) في الأصل : في المسايرة .