فتبسّم ( صلع ) وصرف عنان فرسه فدخل من باب الخاصّة إلى داخل قصره / وقد نصبت الموائد للناس ، وصرف القيّم على الطّعام ابن واسول وابن بكر إلى حجرة وقرّب إليهما مائدة فأكلا وصرفا إلى مكانهما .
وتحدّث الناس بما كان من أمير المؤمنين إليهما . وقال لي بعضهم : ما ظننّا إلّا أنّ « 1 » ابن بكر سيقتل .
قلت : فلو قتل الآن أليس قد مضى بما فيه واستراح ممّا هو بسبيله ، وإن كان صائرا إلى غضب اللّه ؟ ولكنّ في متعتنا بالنظر إليه وإشهاده مثل هذه المشاهد وتقريعه بمثل هذا التقريع إلى أن يرى وليّ اللّه فيه رأيه ، أفضل البغية والمأمول .
ذكر رؤيا رآها المعزّ ( صلع ) :
241 - ( قال ) وكنت قد ألّفت سير المعزّ ( ص ) من أوّل ما أفضى / اللّه ( عج ) بالإمامة إليه ، وما وهب اللّه له في أيّامه والأمّة به من بركته وسعادة إمامته ، وما تابع فيها من المسرّات وأولى من الخيرات وأوسع من العطيّات ، في رجز موزون بقواف مزدوجة « 2 » . وكثّر اللّه ( تعالى ) ذلك وترادف منه ما أعجزني مع كثرة الشغل بما أنا فيه عن تأليفه وتصنيفه . وكنت رجوت أن أبلغ من ذلك في حياتي صدرا ، وأن يصل ذلك عقبي من بعدي وأعقابهم في طول بقاء وليّ اللّه معزّ دينه ودوام عزّه وسلطانه ، وتتابع آلاء اللّه عليه .
وكلّفت ابني عليّا « 3 » عمل شيء من ذلك لأنظر إليه بحسب ما رجوت .
فأخذ في ذلك وعمل منه أبوابا رأيت أنّها / حسنة وعرضتها على المعزّ ( صلع ) فاستحسنها واستجاد معناها .
هامش
( 1 ) في « أ » و « ب » : الا أنهما وابن بكر .
( 2 ) ذكر النعمان تآليف أخرى له فيما سبق من الكتاب ( ص 117 وص 135 . ) ، وهذه الأرجوزة في سيرة المعز ذكرها إيقانوف في ثبته تحت عنوان « ذات المنن » بعدد 99 .
( 3 ) علي بن القاضي النعمان ولد بالقيروان في رجب سنة 328 ه وقدم مع المعز إلى مصر ، ولما توفي والده أشركه المعز في القضاء مع أبي طاهر الذهلي . فظلا يقضيان حتى توفي المعز ( 365 ه ) . وولي العزيز ، وعرض للقاضي أبي طاهر مرض الفالج ففوض العزيز القضاء إلى علي بن النعمان في صفر 366 ه ، وظل منفردا بالقضاء إلى أن توفي سنة 375 ه ، وصلى عليه العزيز .
وعلي بن النعمان أول من لقب بقاضي القضاة في مصر ، وكان عالما فقيها ومؤلفا وشاعرا رقيق الشعر ، أورد له الثعالبي شيئا من شعره . انظر الكندي : الولاة والقضاة ص 495 و 589 و 591 والثعالبي ، يتيمة الدهر ، ج 1 ص 385 ، وابن خلكان ( ترجمة 766 ) الذي أرخ ولادته بربيع الأول سنة 329 .