لمّا تبيّن له أنّ ذلك خير للإسلام والمسلمين وليستجمعوا فيقووا على حرب المشركين ، أن أجابه إلى موادعة خمس سنين « 1 » .
ثمّ اتّصل به بعد ذلك ، وقبل أن تنقضي مدّة الموادعة ، أنّه أرسل الدّمستق « 2 » - الذي هو أقرب / رجاله درجة إليه وأخصّهم به - في عدّة من السّفن كثيرة وجيوش ثقيلة حتّى أناخ بها على جزيرة أقريطش ، وهم في دعوة بني العبّاس .
فلمّا حلّ بهم من ذلك ما لا قوام لهم به ، وعلموا أنّه ليس عند بني العبّاس نهضة ولا لهم لديهم نصرة ، أرسلوا مركبا فيه رجال من قبلهم مع وجه من وجوههم إلى أمير المؤمنين المعزّ لدين اللّه يستغيثون به ويسألونه استنقاذهم وإغاثتهم ، فلم ير صلوات اللّه عليه - وإن كانوا تنكّبوا عنه « 3 » - أن يخيّب رجاءهم عنده ، ولا أن يسلّمهم للمشركين ، فأمر عندما اتّصل به خبرهم وقبل أن يصل إليه رسولهم ، بالأخذ في الأهبة والعدّة ليكون نفوذ الأساطيل إليهم في أوّل زمان الإمكان . ثمّ قدم الرسول عليه / وأدّى عنهم ما أرسلوه به إليه .
فرأى أن ينبذ إلى المشرك عهده كما أمر اللّه ( تعالى ) بذلك في كتابه ، إن هو أصرّ على حربهم ، وأمر بكتاب في ذلك إليه وأملاه على الكاتب بحضرة من بين يديه بكلام ما سمعت أجزل ولا أبلغ منه .
فقال بعد أن خيّره بين أن يقلع عن حرب أهل اقريطش وبين أن ينبذ إليه عهده - كما نبذ رسول اللّه ( ص ) إلى مشركي العرب عهدهم وأرسل عليّا ببراءة « 4 » فقرأها في الموسم عليهم - ولقول اللّه أصدق القائلين :
« وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ
« 5 »
»
.
هامش
( 1 ) وقعت هذه الهدنة سنة 346 / 957 بين المعز وقسطنطين السابع ، ولكن رومانوس الثاني ، خليفة قسطنطين نقض العهد بغزوه جزيرة قريطش ( انظر فصل الدشراوي ص 313 ) .
( 2 ) هو نقفور فقاس ، قاد الأسطول البيزنطي إلى جزيرة قريطش وحاصر عاصمتها سنة 349 ، أي قبل انقضاء المهادنة بثلاث سنوات ( المرجع السابق ) .
( 3 ) لأنهم أندلسيون أولا ، ثم لأنهم استنجدوا بالإخشيد والي العباسيين على مصر .
( 4 ) أي ، بسورة التوبة ، وبخاصة الآية الأولى منها : « براءة من اللّه ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين » . وقيل إنها نزلت سنة تسع بعد فتح مكة وأرسل النبي ( ص ) عليا ليقرأها في موسم الحج ( انظر تفسير الكشاف ج 2 ص 172 ، وتفسير البيضاوي ج 2 ص 274 ) .
( 5 ) الأنفال ، 58 .