من قبلكم إلى أبعد من مسافتكم ، وقد علمتم أنّه لم يعط من قبلكم / أحد قبلي مثل ما أعطيتكم ، ولا استكثرت لكم ذلك بل أستقلّه لأقلّكم . والذي لكم عند اللّه وعندي في الذي تستقبلونه أجلّ وأكبر . فسيروا على بركات اللّه ويمنه وسعادته ونصره وتأييده ! كونوا عندما رجوتكم له من الغناء والكفاية وصلاح الحال بينكم ! أحسنوا عشرة بعضكم لبعض وعشرة من تصحبونه من غيركم ، وأنزلوا من ينفذ معكم من عبيدي منازل إخوانكم ، وأجمعوا معهم كلمتكم ، فهم لكم عضد ولحمة ، وموالاتي تجمعكم وإيّاهم ، فلا تجعلوا بينكم وبينهم فرقا ، أحسن اللّه لكم الصّحابة وعليكم الخلافة .
فقبّلوا الأرض مرارا بين يديه وشكروا ما كان منه ووعدوا من / أنفسهم الوفاء بما أمرهم به ، وغلب عليهم من السّرور بما سمعوا منه ما ظهر فيهم وتبيّن على وجوههم .
ثمّ أمر بإدخال من نفذ في ذلك الجيش من الحضرة من قبائل البربر ممّن كانوا قد دخلوا في الفتنة وأنابوا ، بعد المقدرة عليهم ، إليه ، فقبلهم وعفا عنهم ، كبني كملان « 1 » وغيرهم ، وقد سارعوا أيضا إلى الخروج . فلما صاروا بين يديه ( صلع ) قبّلوا الأرض / وقفوا ، فقال بعض من حضر من شيوخ كتامة : هؤلاء يا مولانا ممّن قال اللّه ( عج ) وفيهم / :
« عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً »
« 2 » .
قال : نعم ! قد فعل اللّه ذلك بهم لما سبق لهم عنده من السّعادة ففازوا بالولاية بعد / العداوة وبالهدى بعد الضّلالة وبالنّصرة بعد القطيعة والمنابذة لنا والمحاربة ، فتوبتهم مقبولة وذنوبهم إن شاء اللّه مغفورة .
فقبّلوا الأرض بين يديه واعترفوا بنعمته وشكروا فضله وعفوه .
فقال : كم سارع منكم إلى الخروج في هذا العسكر المنصور ؟
قالوا : كلّنا يا مولانا مسارع إليه ، فمن قبلته فهو السعيد !
هامش
( 1 ) قوم من هوارة مقرهم جبال أوراس ، ساندوا أبا يزيد مخلد بن كيداد . وقتل المنصور منهم الكثير في وقعة الرؤوس بفحص باتنه . « واستأمنوا للمنصور إسماعيل فأمنهم على سكنى عيالهم بالقيروان » ( انظر ابن حماد : أخبار ملوك بني عبيد 19 ، 31 ، 39 ، وابن حزم : الجمهرة 496 ، وابن خلدون :
العبر 6 / 235 ) .
( 2 ) الممتحنة ، 7 .