قال : فأرسل إلى أمين البنّائين فاجتمعوا إليه من الأقطار والأمصار فبنوا له قصرا ما رأت العيون مثله . فلما تمّ بناء القصر صنع فيه مهرجانا عظيما وأطعم فيه الناس حاضرة وبادية .
قال : فبينما سليمان ذات يوم من الأيام جالس في قصره في كوكب رفيع ينظر إلى صحن القصر ويتأمّل بياض الرخام ويتعجّب من ذلك ، وإذا بغرابين يتضاربان حتى سقطا في وسط القصر وسالت منهما الدّماء على بياض الرخام . فقال في نفسه : « يا ليت شعري ، هل خلق اللّه تعالى جارية يكون بياض جسمها مثل هذا الرخام وسواد شعرها كسواد هذين الغرابين وحمرة خدّيها مثل حمرة الدم على الرخام ؟ »
وهنا أدرك شهرزاد الصبح فسكتت عن الكلام .
الليلة التاسعة والعشرون
قال فهراس الفيلسوفي : قالت : يا مولاي ، وذلك أنّ سليمان بن عبد الملك دعا [ أ - 180 ] بأصحابه ووزرائه وأعلمهم بأمره وما جرى في سرّه « 5 » فقالوا له :
- لن تجد مثل هذه الجارية إلا عند أبي الحزم « 6 » .
قال : فبعث سليمان إليه فلما أتاه أعلمه بالخبر ، فقال له :
- أيّها الملك أنا أعرف جارية على هذه الصفة التي ذكرت وهي ابنة ملك من الملوك ، قد خفت عن الأبصار « 7 » وهي أجمل جواري الدنيا .
هامش
( 5 ) ت : سمع عبد الملك بن مروان ما حدّث به ابنه نفسه فدعا بوزرائه وأرباب دولته وأعلمهم بالخبر .
( 6 ) ت : ما يعرف هذا الأمير إلّا أبو الحزم . ب 2 : . . . إلّا ابن حزم لأنه كثير الجولان في البلدان في الحاضرة والعربان .
( 7 ) ت ، ب 1 وب 2 : وهي بنت ملك يعرف بنمارق بن غالب صاحب بلاد الأطارق والأزارق وتسمّى الجارية قمر الأزرار . وهي قد خافت على نفسها . ( وسقطت هذه الجملة الأخيرة في ب 2 ) .