الأصلية والاستصحاب على وجه يرفع تمسك الخصم به في هذا الباب فليراجع ذلك من أحب الوقوف عليه وقد أوضحنا ذلك أيضا في كتاب المسائل الشيرازية بما لا مزيد عليه .
ومن الفروق التي ذكروها أن الأشياء عند الإخباريين إما حلال بين أو حرام بين أو شبهة وعند المجتهدين ليس إلا الأولان خاصة ، ومنشأ ذلك العمل بالبراءة الأصلية وعدمه . وفي هذا الوجه أيضا أن الشيخ في العدة وقبله الشيخ المفيد قائل بالتثليث كما هو المنسوب إلى الإخباريين مع أنهما من أساطين المجتهدين ، وكلام الصدوق في كتاب الاعتقادات ظاهر في التثنية حيث قال : ( باب الاعتقاد ) في الحضر والإباحة . قال الشيخ رضي اللّه عنه : اعتقادنا في ذلك أن الأشياء كلها مطلقة حتى يرد في شيء منها نهي انتهى . وهو مضمون الخبر المروي عنهم عليهم السّلام من قولهم : « كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي » فالأشياء عنده إما حلال أو حرام كما عليه المجتهدون مع أن الصدوق رئيس الإخباريين ، إلى غير ذلك من المواضع التي يطول بنقلها الكلام .
وأما ثالثا : فلأن العصر الأول كان مملوءا من المحدثين والأصوليين مع أنه لم يرتفع صيت هذا الخلاف ولم يطعن أحد منهم على الآخر بالاتصاف بهذه الأوصاف ، وإن ناقش بعضهم بعضا في جزئيات المسائل واختلفوا في تطبيق تلك الدلائل فالأولى والأليق بذوي الإيمان والأخرى والأنسب في هذا الشأن أن يقال :
إن عمل الفرقة المحقة ( أيدهم اللّه بالنصر والتمكين ) إنما هو على مذهب أئمتهم فإن جلالة شأنهم وسطوع برهانهم وورعهم وتقواهم المشهور بل المتواتر على ممر الدهور يمنعهم عن الخروج من تلك الجادة القويمة والصراط المستقيم ، ولكن ربما حاد بعضهم عن الطريق غفلة أو توهما أو لقصور اطلاع أو قصور فهمهم أو نحو ذلك في بعض المسائل . أو في بعض تلك الدلائل فهو لا يوجب تشنيعا ولا قدحا ، وكل من تلك المسائل التي جعلوها مناط الفرق من هذا القبيل كما لا يخفى على من خاض بحار التحصيل .
وإنا نرى كلا من المجتهدين والإخباريين يختلفون في آحاد المسائل بل ربما خالف أحدهم نفسه مع أنه لا يوجب تشنيعا ولا قدحا ، وقد ذهب رئيس الإخباريين الصدوق ( ره ) إلى مذاهب غريبة لم يوافقه عليها مجتهد ولا إخباري ، مع أنه لم يقدح ذلك في علمه وفضله ولم يرتفع صيت هذا الخلاف ولا وقوع هذا الاختلاف إلا من صاحب الفوائد المدنية سامحه اللّه تعالى برحمته المرضية .
الكشكول — صفحة 297
مساهمون: المحقق البحراني
ص٢٩٧