وأنشد المتنبي :
وخير جليس في الزمان كتاب « 1 »
فاتخذت الكتب أصحابي ، / وجعلت « 2 » جليسي كتابي ، وأنفقت في تحصيلها طارفي وتلادي « 3 » . وهجرت لأجلها منادمتي « 4 » ، وصيّرت ذلك دأبي مضجعي ومهادي ، وبعت في تحصيله بعض ثيابي . وربما قصرت « 5 » همّتي ، [ و ] « 6 » خربت ذمّتي فلم أجد إليه سبيلا ، وأمسيت لفقده عليلا ، وسهرت ليلا طويلا ، مقتصرا على تحصيل مهماته ، مقتصرا لنفسي ما دعاني إليه من مستحسناته ، فأحصل الزّبد ، وأختصر الزّبد ؛ فأنفي الزّبد وأبقي الزّبد .
وصار لي دربة في استخراج الدرر من صدفها ، وخبرة بغوامض الفوائد وشدخها « 7 » ، حتى صار عندي من ذلك لآلىء نظيمة ، وجواهر ثمينة .
فقسمتها وسبرتها وجنستها ونوّعتها . فلم أزل كذلك سالكا لهذه المسالك غوّاصا في بحار العلوم ، مستفيدا للمنطوق ، مستفهما للمفهوم . وصرفت همتي إلى الجمع والتأليف والترتيب والتصنيف . فقد ذكر الخطيب أبو بكر الحافظ قال : كان بعضهم يقول : « من أراد الفائدة فليكسر قلم النّسخ وليأخذ قلم التخريج » . فاستعنت باللّه السميع البصير ، وجربت نفسي أولا في جزء يسير ، وكتبت كتابا لطيفا سميته « ذمّ السماع الملهي وتحريمه وبيان حميد
هامش
( 1 ) عجز بيت مشهور من قصيدة طويلة ، وصدره :أعزّ مكان في الدنى سرج سابح( 2 ) في الأصل : فجعلت .
( 3 ) التليد : المولود قديما وعكسه الطريف ، وهو المكتسب حديثا .
( 4 ) كذا قرأناها ، وفي الأصل منادمتها .
( 5 ) في الأصل : فقصرت .
( 6 ) إضافة المحقق .
( 7 ) شدخ : مال عن القصد .