فبينما هم يطوفون به إذ دخل على باب المسجد شاب وعليه مئزر وإزار ، وفي جبهته كأنها ركبة عنز ، كأنها الشمس تطلع من بين حاجبيه ، فبدأ بالطواف ، فلما أتى الحجر فرج له الناس عنه هيبة له وإجلالا ، فأغاظ ذلك هشام بن عبد الملك غيظا شديدا ، فقالوا له : من هذا يا ابن أمير المؤمنين ؟ . فقال لهم : لا أعرفه ، لئلا يفتن به رجال أهل الشأم ، وكان الفرزدق بالحضرة فقال : أنا أعرفه يا ابن أمير المؤمنين ، قال له : فقل : فأنشأ الفرزدق بقول :
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد اللّه كلهم * هذا التقي النقي الطاهر العلم
إذا رأته قريش قال قائلها * إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
ينمى إلى ذروة المجد التي قصرت * عن نيلها عرب الإسلام والعجم
يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
بكفه خيرزان ريحه عبق * من كف أروع في عرنينه شمم
يغضى حياء ويغضى من مهابته * فما يكلم إلا حين يبتسم
ينجاب ثوب الدجى عن نور غرته * كالشمس ينجاب عن أقطارها القتم
مشتقة من رسول اللّه نبعته * طابت عناصره والخيم والشيم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله * بجده أنبياء اللّه قد ختموا
هذا سليل حسين وابن فاطمة * بنت الرسول الذي انجابت به الظلم
وليس قولك لا أدري بضائره * العرب تعرف من أنكرت والعجم
اللّه فضله قدما وشرفه * جرى بذاك له في لوحه القلم
من جده أن أفضل الأنبياء له * وفضل أمته دانت له الأمم
عم البرية في الإحسان فانقشعت * عنها الغيابة والإملاق والظلم
كلتا يديه جميعا عم نفعهما * يستوكفان فلا يعروهما العدم
لا يخلف الوعد ميمون نقيبته * رحب الفناء أريب حين يعتزم
سهل الخليقة لا تخشى بوادره * يزينه خلتان الحلم والكرم
حمال أثقال أقوام إذا ترحوا * حلو الشمائل تحلو عنده نعم
من معشر حبهم دين وبغضهم * كفر وقربهم منجى ومعتصم
يستدفع الضر والبلوى بحبهم * ويستدام به الإحسان والنعم
مقدم بعد ذكر اللّه ذكرهم * في كل أمر ومختوم به الكلم
إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم * أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم