سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول في هذا الخبر أن يحيى بن معاذ قال :
سبحان من يذنب العبد فيستحي هو . وفي بعض الكتب : ما أنصفني عبدي ! يدعوني فأستحي أن أرده ، ويعصيني ولا يستحي مني . وقال يحيى بن معاذ : من استحى من اللّه مطيعا استحى اللّه منه وهو مذنب .
وقال الأستاذ : واعلم أن الحياء يوجب التذويب ، فيقال : الحياء ذوبان الحشى لاطلاع المولى . ويقال : الحياء انقباض القلب لاطلاع الرب . وقيل : إذا جلس الرجل ليعظ الناس ناداه ملكاه : عظ نفسك بما تعظ به أخاك ، وإلا فاستحي من سيدك فإنه يراك . وسئل الجنيد عن الحياء فقال : رؤية الآلاء ورؤية التقصير ، فيتولد من بينهما حالة تسمى الحياء .
وتقدّم : استأميت الأمة : استخدمتها . ومنه حديث عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أن رجلا من بني مدلج كانت له أمة جارية فأصاب منها ابنا ، فلما شب قال لأبيه : حتى متى تستأمي أمي ، فحذفه بالسيف فمات . فقال له عمر رضي اللّه عنه : لولا أني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : لا يقاد الأب بابنه لقتلتك ، لكن هلم ديته ، فقسمها على ورثته وترك أباه . خرجه ثابت رحمه اللّه .
وتقدّم قول ابن هريرة : نمت نومة الأمة . كان خالد بن عبد اللّه قد سجن إبراهيم بن هبيرة فأمر ابن هبيرة غلمانه فحفروا له تحت الأرض ، حتى خرج الحفر تحت سرير من السجن ، ثم خرج ليلا وقد أعدّت له أفراس تداولها ، حتى أتى مسلمة بن عبد الملك فاستجار به فأجاره ، فلما لقيه خالد قال له : أبقت إباق العبد .
فقال له ابن هبيرة : حين نمت نومة الأمة . وفي ابن هبيرة وصنيعه ذلك يقول الفرزدق :
ولما رأيت الأرض قد سد ظهرها * ولم يبق إلا بطنها لك مخرجا
خرجت ولم تمنن عليك شفاعة * سوى ربة التقريب من نسل أعوجا
أغر من الحوّ اللهماهيم إذ جرى * جرى جري محبوك القرى غير ألحجا
فأصبحت تحت الأرض قد سرت سيرة * وما سار سار مثلها حين أدلجا
ويروى قد سرت ليلة .
وله يقول ابن هبيرة : ما رأيت أشرف من الفرزدق ، هجاني أميرا ومدحني أسيرا .
قلت : لقد بر ابن هبيرة وصدق فيما ذكر من شرف الفرزدق . وإذ وقع ذكره فدونك حكاية يتبين فيها شرفه وفخره :
حج هشام بن عبد الملك في خلافة أبيه عبد الملك بن مروان ، فلما طاف بالبيت وأتى الحجر زاحمه الناس ، فجعله رجال أهل الشأم على سرير فحملوه على أعناقهم ،